عثمان بنشقرون يكتب عن جينيالوجيا الأرصفة المغربية

إذا كان هناك من موضوع خصب وشيق يستحق التفكير والتأمل في المدنية الحديثة وتجلياتها البارزة، حسب اعتقادي البسط لن يكون هناك أفضل من موضوع الرصيف أو الأرصفة بصيغة الجمع، كفضاءات وضعت شبه قطيعة بين ماضي المدينة وحاضرها. وهو موضوع قد يهتم به السوسيولوجي و الأنثروبولوجي والسياسي بالقدر الذي قد يهتم به المتسول أو المقاول والبائع المتجول. أقصد بالرصيف ذلك الجزء الناتئ من مسلك حضري مخصص لانتقال وسير الراجلين. والممشى الموازي لممر السيارات والمحيط به من جانبيه حيث يكون شارعا بضفتين. واحد على اليمين و آخر مقابل له على اليسار. هذا الفضاء العمومي الذي أفرزته الأزمنة الحديثة لضبط حركة السير ونقط الالتقاء وإنعاش واجهة المدن وإخفاء تجاعيدها، كما تخفي المساحيق تجاعيد امرأة ضاربة في أعماق الزمن، لم تعرفه مدننا القديمة ولم تكن في حاجة إليه و لا إلى أدواره. كان بإمكان الإنسان أن يتقاسم زقاقا أو دربا واحدا واسعا أو ضيقا متربا أو مبلطا بحجر مصقول مع باقي الدواب التي يتساكن معها في وئام. و يدب هو الأخر مثلها سعيا إلى غاياته. لكن الأرصفة وليدة التحولات الكبرى قلبت موازين الحياة التقليدية التي مست المدن العتيقة ومست معها حياة الساكنة. وأصبحت بدون مبالغة الإطار المرجعي الذي يلملم شمل حركاتها وسكانتها. وإني أتساءل لماذا يتم إغفال الحديث عن الأرصفة و الحفر في أصولها و متغيراتها على ضوء الإيقاع السريع وغير المضبوط للتمدن، حينما يتم الإسهاب في الكلام عن الحداثة بمناسبة وبدون مناسبة. ألا يجدر أن يفرد مبحث خاص بتجليات الحداثة والمدنية الحديثة بموازاة مع الحفر في الأرصفة؟. وأن يؤرخ لزمنها بدءا بظهور زمن الأرصفة؟. حتى وإن اقتضى الأمر تأصيل هذه الحداثة بتأسيس صدمتها مع بروز الأرصفة في المدن الحديثة. و كتابة تاريخ هذه الأخيرة بكتابة تاريخ الأرصفة.

فالأرصفة في بنيتها وهندستها عنوان لانخراط في أنماط الحياة الحداثية وإحالة عليها وعلى تعييناتها المختلفة. تحمل معاني التطور والتقدم بقدر ما تحمل معاني الصراع بين القديم والحديث. تعيد طرح الأسئلة حول أنماط الحياة وأشكال الوجود، في شكل صراع ما بين قديم منغلق داخل الأسوار وجديد ممتد خارجها. فهي تجسيد حي للصراع حول التغيرات الجذرية التي وقعت ولا تزال تقع. سواء تم استيعابها أو تأجل ذلك إلى حين. وهكذا إذا كانت الأشياء لا تأخذ مدلولاتها الخاصة إلا في الزمان والمكان فكذلك الأرصفة لها زمكنياتها التي لها ميسمها الخاص الذي يضفي على المدينة صفات من صميم جوهرها ليكتسب هذا الفضاء هذه الأهمية الحاسمة والملحوظة في حياتنا ويطبعها بمعالمه.

هذه الأرصفة التي ندب فوق أديمها على مدار اليوم، تمدنا باستراتيجياتها في التعيين والتحديد والتصنيف. بها نهتدي وبها نتمكن من اختراق الأماكن السرية والعلنية. وبها نصل إلى تحديد واختصار طبوغرافية المدينة. كما أن التوزيع الهندسي والمعماري لفضاءاتها واحتضانها انتصاب أعمدة وأسماء وإشارات وعلامات تشوير وإعلانات ومؤشرات دالة تمكننا من اعتقال المدينة في ذاكرتنا. فنتفاعل مع ما تحمله من رسائل وخطابات وثقافات بالقدر الذي تحاصرنا وتطبع حياتنا. وتسحب عليها الكثير من مواصفاتها. فنحن حداثيون بفضل ما أحدثته الأرصفة فينا من تغيير وطفرة.

في الأرصفة وعليها تتجلى الديناميكية في إيجابيتها وخمودها. فهي تحتوي كل الأدوار والخدمات بدون استثناء. ولها دور كبير في تفعيل النسيج الاقتصادي. فهي المحتضن الرسمي لفرق الباعة المتجولين. وعلى الأرصفة يباع كل شيء بدءا من أبسط الأشياء كالسيجارة بالتقسيط إلى كل المواد الغذائية والأكلات الخفيفة والثقيلة والعجائن والفطائر وحساء الحلزون والمثلجات والمرطبات وكل أنواع الملابس الخارجية والداخلية منها والأواني المنزلية ومستحضرات التجميل. وحاجيات ذات آخر صرعة أو قديمة ومستعملة. حتى ليخيل إلى المرء أنه في مطاعم كبيرة أو أسواق ممتازة لا متناهية. من يبيع على بساطها أكثر عددا بكثير ممن يشتري. وجدير بالإشارة أنه على الأرصفة قد نحصل على كل الخدمات بدون تعقيدات بيروقراطية ودون أداء ضريبة على القيمة المضافة. وربما لهذين السببين أصبحت رغبتنا في الشراء لا ترتوي إلا بالتبضع على الأرصفة.

ومن حيث أن الأرصفة وليدة هذه الأزمنة الحديثة، فهي ولا شك رمز للتحولات الاجتماعية ومقياس لحرارة زمن التوترات وزمن الانفتاحات. و فضاء للمطالبة بالشغل ومجال للاحتجاج الحداثي، كما هي أيضا فضاء الحضور الخفي والعلني للسلطة وهواجسها، في شكلها القديم والحديث. وفضاء لتدخلاتها التي تعز المرء أو تهينه. و مع ذلك فهي فضاء لتشكل الرأي العام و سريان الخبر والإشاعات على قدم و ساق. ومظهر لقوة حضور المجتمع المدني أو غيابه. وعن طريقها وبخباياها يجس أهل الرأي نبض وإيقاع التمدن فيها. وفيها ترى الساكنة نفسها كمرآة شفافة. علاوة على ذلك فالأرصفة تحتل أيضا حيزا مهما في الأنشطة الحكومية. خاصة تلك المتعلقة بحرية الإنسان وحقوقه. فمن خلال حرص هذه الأخيرة على أن يمارس المواطن حرية التجمع والتجول على الأرصفة، وألا يحرم من هذا الحق حتى الإنسان المعاق تعمد إلى تسهيل الأمر عليه بولوجيات، تبيح انتقاله من قارعة الطريق إلى الرصيف بسهولة ودونما مساعدة من أحد. حفاظا عليه من حوادث السير المتافقمة و حفظا لكرامته الإنسانية.

الأرصفة فضاء الخضوع لسلطة الغير. ومكان يفقد فيه الفرد حميميته الخاصة. و فضاء يتوجب فيه الاعتراف بالآخر أو إقصاءه. وفضاء يتوجب فيه احترام القوانين بما هو مكان عام وملك مشترك. وهي أيضا فضاء لاقتراف شتى أنواع التجاوزات القانونية والانتهاكات الاجتماعية. فهي على سبيل المثال امتداد حيوي غير شرعي للمقاهي حيث تمتد فيها ما شاء لها أن تمتد بكراسيها وطاولتها وشمسياتها وبروزاتها. و بقوة هذا الامتداد تقوى شرعنة الاحتلال. وهي أيضا فضاء لخبرات وتجارب لسياسات تدبيرية محلية. كما هي أيضا موضوع تفويتات لهذه السياسات.

وهيئة الأرصفة و شكلها دليل على تنامي الحس البيئي عند المواطن، لما يستنبت على طولها أشجارا ونباتات. ولما يخضعها لعملية تحديث قيصرية. فيؤثثها بمختلف سلات المهملات وصناديق القمامة. ويعطي الدليل القوي على التحضر والتمدن حينما يستغلها أمثل استغلال، لدرجة قد يصبح على رأس كل رصيف مزبلة. و الأرصفة ككل الكائنات الحضرية وديعة ظاهريا عنيفة في العمق. وكما في الأرصفة منافع للناس فيها أيضا شرور وفخاخ و مخاطر: فضاء يسود فيه التزاحم والتدافع والملاسنات بقاموسها الخاص و قيمها الخاصة. وهي فضاء تنصب فيه الشراك حينما تعمد البلديات عن حسن نية إلى ممزاحة المواطنين بترك البالوعات بدون غطاء، وغض الطرف عن كل جهة تترك أركان الأرصفة مزروعة بالمسامير واللوالب الحادة قاصدة بذلك أن تخرج الشاردين عنوة من شرودهم إن هم أرادوا المحافظة على أقدامهم سالمة.

و بما أنها تحمل جينات زمانها، فالأرصفة مكان للانتظار بامتياز، حتى لتكاد أن تتحول إلى غرفة انتظار كبرى. فهي موقف لانتظار سيارات الأجرة. ومحطة للحافلات وموقف لانتظار الدور في طابور طويل عريض للحصول على الفيزا. ومكان لضرب المواعيد وبسط اللقاءات. وفضاء لممارسة هوايات عديدة و قضاء مآرب لا تعد و لا تحصى. وهي فضاء للبصاصين والاستعراضيين و الاستعراضيات. و فضاء للمعاكسة وممارسة أنشطة ليبيدية بالواضح و المرموز. وهي أيضا فضاء لتمضية الوقت أو اغتياله. و فضاء لمن ليس له ما ينتظر. وفضاء لمن كانت كل أوقاته تأتي في المرتبة الثالثة. وهي أيضا مرشدة العميان في سيرهم يفترشها المتسول و يتوسدها المتشرد. وهي مسلك العابرين و ملاذ الحمقى والمجانين و مأوى لمن لا مأوى له.

إلى ذلك، يتحول الرصيف في أدبياتنا اليومية بفعل الإثراء الدلالي إلى فضاءات حبلى بالعلامات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والاستعارية. وكفضاءات تحمل كل هذا الزخم الإنساني تخضع بدورها لسلم القيم الإنسانية. فوضعها بذاته يحيل على تراتبية مادية بارزة للعيان. فمنها ما يسمح باستعمالها و ما لا يسمح بذلك. ومنها المبلطة وغير المبلطة. والتبليط درجات، التبليط بالزفت والحصى أو بالإسمنت والرمل أو بالرخام. والرخام  بدوره على درجات. كما أنها تفرز على لسان مستعمليها دلالات رمزية. وإليها ينسب الإنسان العديد من نتاجاته المادية والرمزية. فنقول: ” له قاموس الرصيف” كناية على انحطاط كلام المرء ولفظه. ونقول: ” فتيات الرصيف” و “صحف الرصيف” إشارة إلى دناءتها. و نقول لفلان: “ولد على الرصيف” دلالة على وضاعة منشئه. ونقول: “انتهى به الأمر على الرصيف” كناية على نهايته المأساوية.

إنه من المثير حقاٌ للانتباه أن تكون الأرصفة مجالا بكل هذه الخصوبة والمكسب والغنى ويتم تفويض تدبيرها لغرباء يجهلون فك أبجديتها. وأن تكون لغزا محيرا ولا تستثمر في البحث و الدراسة واستقصاء الظواهر واستنطاقها. فعن طريق المزيد من مأسسة الأرصفة يمكن التوصل إلى عقد شراكات بينها و بين عدة مؤسسات. وعن طريق ذلك يمكن مثلا دفع المؤسسات المختلفة والجامعات والمعاهد بالخصوص أن تنفتح على محيط الأرصفة. وبهذا المعنى يمكنني أن أتخيل على سبيل المثال العديد من العناوين، تصلح أن تكون تحقيقات صحفية ومواضيع لبحوث وأطروحات جامعية وبحوث ميدانية. وفي مجالات وشعب علمية عديدة ومختلفة من مثل: -الأرصفة: المسار، المآل، مقدمات نظرية. – الأرصفة والتدبير المجالي في المدينة الحديثة. – الأرصفة و معيقات تدبير الشأن المحلي – الأرصفة وظاهرة الاحتجاج السياسي والاجتماعي. – الأرصفة أية حركة للضبط الاجتماعي.– دور الأرصفة في تفعيل النسيج الاقتصادي غير المهيكل الواقع والآفاق – الحركات الاجتماعية والأزمات الحضرية وتجلياتها من خلال الأرصفة.- المدن الحديثة وانشطار الأرصفة مقاربة حضرية- ظاهرة احتلال الأرصفة طنجة نموذجا… وهلم جرا.

هكذا إذن هي الأرصفة في المدينة الحديثة مجال مركزي يستأثر يوما عن يوم بالاهتمام. ومسرح لسائر الأنشطة والأدوار في جميع مناحي الحياة. وهي بذلك تسد كل الثغرات والثقوب و تهيكل ما ينفلت من الهيكلة وإعادة الهيكلة، تلك الإشكالات الكبرى لموضوع المدن و التمدين. إلا أن الأرصفة اليوم، و بدون شك أو مواربة، تعرف وضعيات حرجة وأحيانا منفلتة. لدرجة أصبح فيه المنفذ إلى حظ أقل من التمدن والحداثة لتلبية حاجياتها المعاصرة لا يسير أحيانا بدون تعثرات أو مواجهات . وتعتبر حركات المد والجزر التي تكون مسرحا لها، مشهدا تعبيريا لأزمتها، لذا فالرؤية المستقبلية لأي تحديث تفرض وضع مشاكل الأرصفة في مقدمة الأولويات وتفرض البحث عن حلول للصعوبات الملازمة لامتداداتها.