إصلاح منظومة التعليم بالمغرب… 32 وزيرا و 13 محاولة للإصلاح و لا إصلاح في الأفق…

أكبر كذبة سوقت منذ الإستقلال إلى الرؤية الإستراتيجية الأخيرة

32 وزيرا و 13 محاولة للإصلاح و لا إصلاح في الأفق…

إعتدنا أن نسمع كل مرة عن خروج منظمات عالمية بتقارير تضع المغرب في أسفل سلم الجودة التعليمية، كما تراجع في السنوات الأخيرة الإقبال على المدارس العمومية، في مقابل الإقبال الكبير على المدارس الخاصة ،لكن غالبا ما نبرر هذه التحولات بتحليل لا يرقى إلى الموضوعية، وذلك لأن قضية التعليم أصبحت تطبخ في الكواليس.

إن الحديث عن فشل الإصلاحات التعليمية في بلادنا، يخفي وراءه مجموعة من الحقائق، فالتعليم في بلادنا فاشل فقط في أهدافه المعلنة أما الأهداف الخفية فهي ناجحة، ولعل هذا ما يبرر بقاء واقع التعليم كما هو عليه رغم توالي الإصلاحات منذ الإستقلال. و الأكثر من ذلك تحول تعليمنا إلى الأسوء، رغم كثرة الإصلاحات التي عرفتها المنظومة التربوية المغربية،التي امتدت من 1957 حيث الحركة التعليمية إلى اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، و مرورا بإصلاح 1985 و مناظرة إفران  سنة 1992، و عشرية الإصلاح للميثاق الوطني التي امتدت من (2000-2009).و البرنامج الإستعجالي (2009-2012).، ثم الرؤية  الرؤية الاستراتيجية (2015-2030).

و مع توالي الحكومات المتعاقبة لم نسمع سوى مخطط بعد مخطط و برنامج وراء برنامج ،من أجل إصلاح التعليم و الرقي به إلى مستوى الجودة ليساير التقدم الإقتصادي السريع الذي يعرفه العالم، غير أن هذه الجودة التي لا تكاد تخلى من كل مخطط إصلاح، هي أكبر كذبة سوقت منذ الإستقلال إلى الرؤية الإستراتيجية الأخيرة.

مع كثرة الإصلاحات والإستراتجيات التي تبناها المغرب، و التي لا نتيجة تقويمية الآن لها سوى  الفشل باعتراف واضعها، لكوننا تعودنا على إصلاحات أفقية لا تشرك أطراف فاعلة داخل المنظومة التربوية، فالإصلاح لا يكون من خلال ولاية حكومية مدتها خمس سنوات فذالك .يبقى الإصلاح مجرد وهم.

إرتباط مفهوم الإصلاح بالأدبيات السياسية و الدستورية و القانونية و الإقتصادية،و تغييبه لنظام التربية و التعليم،لا تنتظر منه نتيجة سوى الفشل، فالإصلاح التربوي يتضمن في دلالاته الشمولية،المحافظة على محمولات و مضامين التجديد التربوي في أبعاده الشمولية و التي تستشرف المستقبل ، و ليس إجراء حكومي جزئي يهم حكومة دون أخرى.

المدرسة العمومية أصبحت أمام تحديات كبرى، نتيجة تيار الحداثة و عولمة الإقتصاد، فمؤسسات الدولة السياسية و الإقتصادية والإجتماعية لم تعد في حاجة إلى أشخاص بل إلى موارد بشرية تتوفر فيها كفايات محددة، غير أن المنظومة التربوية المغربية يغيب فيها تماما الإشتغال بالمقاربة بالكفايات، نظرا لإنعدام التكوين المستمر للأطر التربوية و ضمان تحفيز حقيقي للأسرة التعليمية.

إن فشل المدرسة العمومية يبقى مقصودا،  خصوصا مع تنامي لوبيات التعليم الخاص في المغرب،و لعل هذه الولاية الحكومية للسيد سعد الدين العثماني و من قبله عبد الاله بنكيران،  منحت امتيازات جديدة لأرباب المؤسسات الخاصة،بحكم علاقة الود و المحبة التي تجمع رئيس الحكومة السابق مع رابطة التعليم التي كان ينتمي إليها، و بعد دعمها الأخير لحزب العدالة و التنمية في انتخابات المأجورين،حيث أقدم رئيس الحكومة السابق على تكوين أصحاب الشواهد لسد خصاص التعليم الخاص، بداية بتكوين 10000 اطار تربوي بميزانية 161 درهم من ميزانية الدولة و تقديمها لأصحاب التعليم الخاص،لكن هذا المشروع عرف الفشل من السنة الأولى لعدم إلتزام أرباب التعليم الخاص بضمان الحقوق الأساسية لهذه الأطر، نظرا لحسابات الربح و الخسارة التي ينهجها هذا القطاع، فيما يتخبط أزيد من 2000 إطار تربوي من أصحاب هذا التكوين في البطالة، لم يقف السيد عبد الإله بنكران عند هذا التكوين الملغم، و في خطوة تكميلة قام بإصدار مرسومين وزاريين هدفهما الأسمى الإجهاز على حق الوظيفة العمومية و تكوين يد عاملة للتعليم الخاص،فمع كثرة التكوينات وازدياد الأطر التربوية العاطلة سيزيد عليم الضغط للعمل في القطاع الخاص بأقل راتب يعرض عليهم في انتظار الوظيفة التي تبقى الحلم المستحيل في هذه الأوضاع.

إن القطاع الخاص اليوم أصبح يساهم بقسط كبير في تشويه صورة التعليم العمومي، و ذلك بالعمل خارج قانون الدولة، بدون أي دفتر تحملات ينظم هذا القطاع، وهذا يظهر جليا من خلال اختلاف تعرفة التمدرس من مدرسة الى اخرى،حتى لو كانت في نفس الحي،حيث نجد أنفسنا أمام قطاع يشتغل عشوائيا مع امتيازات و اعفاءات و تساهلات ضريبية و ادارية غير محدودة.
كما أن عجز الحكومة في فرض إتفاقية الإطار الموقعة مع ممثلي التعليم الخاص يوم 8 ماي 2007،ليجد أزيد من 2000 إطار تربوي نفسهم ضحية مشروع حكومي فاشل، و عجزها في تطبيق مذكرة منع أساتذة التعليم العمومي من الإشتغال في القطاع الخاص،و التعدي على 10000 استاذ متدرب بأسلوب همجي،يطرح ألاف التساؤلات،هل في عجز الحكومة في تدبير هذه الملفات تواطؤ مع القطاع الخاص لإضعاف المدرسة العمومية؟أم أن لوبي القطاع الخاص أصبح خارج هبة الدولة ويتصرف كما يريد؟

وفي غياب نية و إرادة حقيقية للإصلاح ،يبقى التعليم في المغرب في أسفل مراتب الجودة التعليمية العالمية، و يبقى الإصلاح وهم نسينا أنه كذلك.

و أخيرا لمحة بسيطة عن وزراء التعليم في المغرب خلال 60 سنة، 32 وزيرا، و 13 محاولة للإصلاح و لا إصلاح في الأفق

32 وزيرا للتعليم منذ 60 سنة ، بمعدل وزير لكل 22 شهرا ونصف الشهر

محمد الفاسي، عمر بن عبد الجليل، عبد الكريم بنجلون، رشيد ملين، يوسف بلعباس، محمد بنهيمة، عبدالهادي أبوطالب، حدو الشيكر، قاسم الزهيري، عبد اللطيف الفيلالي، احمد رضا اكديرة، محمد شفيق، مامون الطاهري، أحمد العسكي. محمد الفاسي الفهري، الداي ولد سيدي بابا، عبد اللطيف بنعبد الجليل، محمد بوعمود. عزالدين العراقي، محمد الهيلالي.الطيب الشكيلي، محمد الكبيدري. رشيد بلمختار.مولاي اسماعيل العلوي، عبدالله ساعف، حبيب مالكي، أحمد اخشيشن، لطيفة العابدة، محمد الوفا، لحسن الداودي، محمد حصاد، أمزازي

يقابل هذا الكم المرعب  من الوزراء، 13 محاولة للإصلاح، بمعدل إصلاح كل 4 سنوات، لم تصل أي منها لتحقيق أهدافها.

1 اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم 1957

2 اللجنة الملكية لإصلاح التعليم 1958-1959

3 المخطط الخماسي 1960-1964 (اللجنة المكلفة بإعداد مخطط التعليم)

4 مناظرة المعمورة 1964

5 المخطط الثلاثي (1965-1967)

6 مناظرة افران الأولى (1970) ومناظرة إيفران الثانية (1980)

7 المخطط الخماسي (1985-1981)

8 مشروع الإصلاح 1985

9 الهيئة الخاصة لإصلاح التعليم

10 الخطاب الملكي 6 نونبر 1995 الذي دعى إلى تشكيل لجنة خاصة للعمل بميثاق

11 الميثاق الوطني للتربية و التكوين 1999-2010

12 البرنامج الاستعجالي (2012-200)

13 الرؤية الاستراتيجية (2015-2030)

كل هذا يعني أن الخلل الحقيقي ليس في كل الأعطاب التي حاولت الإصلاحات تصحيحها. بل في القرار السياسي الذي يرى في التعليم خطرا وعبئا على النظام السياسي / الإقتصادي العام. وبالتالي لا بد من الحفاظ على كل أعطاب التعليم واختلالاته لخلق أجيال معطوبة ومختلة وقابلة  لاختلالاتها ومندمجة فيها،  وراضية بما يقدم لها وما ينتج عنه  من قتل للطموحات والنبوغ وروح التحرر والتمرد. وهذا ما ابتدأ زرعه في مناظرة إيفران الثانية (1980 ) بقرار سياسي واضح. وها هي  تنتهي بالبغرير وغريبة وستصل إلى البيصارة والرفيسة…

هذا القرار السياسي يقتضي الإنهاء مع كل إصلاح للتعليم، إلا بما يخدم المنظومة السياسية / الإقتصادية والقضاء على كل تعليم ينتج المتاعب بالنسبة لهذه المنظومة التي تسعى إلى حمايه ذاتها من التمردات،  وبالتالي لا بد للتعليم العمومي  أن يعيش في حضيض اختلالاته وأعطابه… وينتج  المختلين والمعطوبين.

أما   تجديد هذا النظام، واستمراره وصناعة أطره ونخبه، فهي عملية تتم  في  جهة أخرى، بعيدة عن الأنظار، والتي تستقطب لفائدتها  أبناء وبنات  النخبة الحاكمة والمطعمة  بأبناء وبنات النخب السياسية الشريكة في مسلسل الفساد والافساد والمتطلعة إليه..

أصبحنا على يقين أن ما يطبق في المغرب هو استنساخ  عكسي عملي متقون ومدروس لنظرية  Günther Anders  في كتابه :  « Die Antiquiertheit des Menschen » (L’obsolescence de l’homme)   publie en 1956.