تذكرة سفر : الحلقة الثالثة مع الإعلامية ثريا الصواف

طنجة أنفو / عبدالإله المويسي

انتهـت تجربـة ميدي1، ولاح في أفق مشوارك منعطف ثان، كان تجربة التليفزيون. ما المستجدات والمتحولات التي  رسمـت التمهيد لانتقالـك من «الصوت» إلى «الصورة» في عملك.

دعني في البداية أؤكد لك على أن تجربتي بميدي 1 كانت في غاية الأهمية في حياتي. فقد منحتني استقرارا مهنيا راسخا، لا أكاد أصدق نفسي أني نذرت له بدون مقدمات تأهيلية تذكر.

ففي هذه الإذاعة وجدت فرصتي الكبيرة في اكتشاف مناحي الإعلام الشاسعة. بل ودعني أيضا أؤكد لك أن ميدي1 ساعدتني على استنهاض واستفراغ مكامن عظيمة في دواخلي كنت أجهلها في، وساعدتني أيضا اكتشاف مواهب مميزة لدي في مواجهة الميكروفون بإبداع كان يذهلني أنا شخصيا بالدرجة الأولى.

أخذ الاستقرار في حياتي شكلا جميلا. ولست في حاجة إلى التذكير بأن صورتي في مجتمع طنجة اتسعت وتقوت، وأني أصبحت معروفة بين الناس، وكان ذلك يمنحني دفء إنسانيا عظيما.

يوما ما، شاءت الأحوال أن تنتقل صديقتي، التي كانت سببا قدريا في ولوجي عالم الإعلام بميدي1، للإقامة بمدينة الرباط. وبما أن علاقتي بها كانت دائما تحت الإحساس بالممنونية الإنسانية الجميلة تجاه دورها العفوي هذا، فقد كانت علاقتي بها  قد توطدت أكثر بطنجة، حيث كنا نقضي جل الوقت معا نخرج ونتجول ونستمتع بالحياة.

سفرها هذا أربك وتيرة استقراري بطنجة، وأدخلني في فراغ رهيب. غير أنني وببساطة تغلبت على الأمر بسرعة، وبحل توفيقي، حيث بدأت أسافر أنا لزيارتها بالرباط نهاية كل أسبوع تقريبا، وتلقائيا تحول برنامجنا الثنائي في الاستمتاع بمباهج الحياة إلى أجواء العاصمة.

في ذلك الوقت، كان جلالة الملك الحسن الثاني، ومعه المملكة بكاملها، يستعد للاحتفال بالذكر 25 لعيد العرش بداية سنة 1985، على ما أذكر. رمزية الحدث كانت قوية للغاية، الأمر الذي يستدعي تغطية إعلامية في مستوى ونوعية الحدث.

كان من الضروري إذن تحديث القناة التلفزية، باعتبارها قناة أساسية في نقل مراسيم الحدث،  والتي كانت تقليدية جدا، وأكاديمية إلى حد كبير.

أوكل جلالة الملك المهمة إلى مهندس المملكة Packard، الذي لم تكن أمامه سوى بضعة أشهر لتحويل  RTMإلى أداة دعائية قوية حديثة، فعالة، وصانعة للدهشة، في مستوى تطلعات الملك.

صلاحيات كاملة، وموارد غير محدودة، لأجل هذا المشروع، وضعت رهن إشارة هذا المهندس الخبير. وهكذا قام باستدعاء فريق من TF1 مكون من مهنيين محترفين في مجال الاتصالات والمعلومات للاستعانة بخبراتهم وتجاربهم في مجال التلفزيون.

لم يترك Packard شيئا للصدفة، فهو حرفي ويعرف أن التنظيم الهندسي والهيكلي المضبوطين جزء من إنجاح المشاريع. وهكذا فقد استهل عمله بالمواجهة البنيوية الخارجية والداخلية لصعوبات التلفزيون المغربي، حيث تم تجديد المباني، وتجهيز الاستوديوهات بالكامل بأحدث المعدات. واجهة «دار البريهي» بدورها خضعت لعملية تجميل فائقة.

كان من الضروري أيضا التجديد والتجهيز في خبرات الموارد البشرية. وبذلك استدعى الأمر توظيف صحافيين ومنشطين جدد بكفاءة مميزة وجالبة للاهتمام. هكذا تم نشر إعلان بخصوص ذلك في وسائل الإعلام الرئيسية. وشرع في تنظيم مقابلات الفرز.

كانت الطلبات التي تقاطرت على الإدارة المعنية قد فاقت التوقعات، وبدا أن التلفزيون فعلا يجلب أحلام الناس ومخيالهم في مجال العمل والشغل.

أذكر جيدا أن مهمة اختيار المترشحين كانت قد أسندت، بتعيين موفق، إلى الكاتب المسرحي والكوميدي المشهور، وصاحب الموهبة العالية الطيب الصديقي. ومعلوم أن هذا المسرحي الكبير كان له الفضل المعتبر جدا في تجديد «كوادر» المغرب، ليس فقط في هذه المهمة التلفزيونية، بل في مجالات ذات أهمية لصيقة، مثل المسرح والتمثيل والغناء. كثير من رموزنا الفنية والثقافية بالمغرب يعترفون بدور الصديقي في اكتشاف مواهبهم.

جرت أطوار المقابلات بمسرح محمد الخامس بالرباط مدة يومين كاملين، تقدم خلالها ألف شخص لاجتياز الاختبارات، وتم انتقاء منهم ثلاثة عشر فقط.

بالنسبة لي، كانت صدفة محضة، فقد كنت بالرباط ذلك السبت مساء بأحد المطاعم أتناول عشائي مع أصدقاء مقربين منهم صديقتي القدرية، وربما شاءت المشيئة الإلهية أن يتواجد الطيب الصديقي بدوره في نفس المطعم.

كنت منهمكة ومنخرطة في جو السهر، ولم اكن عابئة بأن مصيرا استثنائيا يتهيأ لي وقتها. كانت الأضواء خافتة توفر جوا رومانسيا للقاعة حين نهض الطيب الصديقي من مائدته واتجه نحوي.

لم أكن على معرفة دقيقة بالرجل، لكن هيأته كانت لافتة للانتباه بقامته المتوسطة وجسمــه الممتلئ ولحيتـه وشعره بلونهما «الأبنوسي»، وعيناه المختطتان باللون الأسود، وكأنه إحدى شخصيات المرتسمة في الأذهان من رواية شكسبير. تأملني الصديقي بنظرة عميقة نافذة، وتهيأ لي أنه كان خلالها يوظف خيالات الأضواء المترامية حولي لتحقيق رؤية فنية لشكلي الذي يبدو أنه أثاره. وبعد تبادل التحية المغمورة بالاحترام والتقدير الممتزجة بابتسامة جدية قدم لي اقتراحا في غاية الإثارة والدهشة بطريقة سريعة صاعقة:

ـ هل ترغبين في العمل بمجال التلفزيون؟

أعترف أنني أحسست لحظتها أني أهوي من بين السحاب. أعمل مع ميدي1 منذ أربع سنوات، غير أني لم أفكر مطلقا في ترك هذه الإذاعة الحاضنة، بل ولم يخطر على بالي، ولو على سبيل الافتراض، أنه ممكن أن يحصل في يوم من الأيام أضطر لمغادرتها. إضافة إلى أنني لم أكن على اطلاع بذلك الإعلان المصيري المتعلق بتوظيف صحفيين ومقدمي برامج جدد بالإذاعة.

وعلى إثر ملامح يفهم منها أنه مهتم بشكل خاص بالنموذج الذي مثلته له، على ما بدا لي، أخبرني الطيب الصديقي مذكرا على أن أطوار الاختبارات في واقع الأمر قد انتهت، غير أنه مستعد كل الاستعداد لمراجعة الأمر من الناحية التنظيمية، ومستعـد أيضـا لاستدعاء الطاقـم الفنــي خصيصا لإجـراء اختبــارات استثنائية يوم الأحد إذا ما أبديت اهتماما جديا بالأمر.

غادرت سهرة السبت بنغمة مدوخة تطن في رأسي. وفي الغالب كنت أتساءل عما يحدث من حولي من مصادفات مطردة.

صباح اليوم الموالي، استيقظت مبكرة، وشرعت في تهييئ نفسي شكليا. كنت أردد في أعماقي وأنا أمام «الكوافوز:

ـ يا إلهي !..إنه التيليفزيون.

أكملت توضيب حالتي، وتوجهت إلى مسرح محمد الخامس. توجهت وأنا في قرارة نفسي غير مصدقة لما يحدث. قلت مع نفسي هذه المرة.. لما لا أغتنم الفرصة، وأجرب حظي.

كان قد سبق لي من قبل أن واجهت الكاميرا بشكل عابر في مناسبة غير ذي أهمية قصوى تتعلق بعمل إشهاري لأحد الأبناك الشهيرة وقتها، غير أنني سأعفي نفسي من الادعاء بأن الأمر لم يشكل لي صعوبة قد أتفادى معها الاضطراب والارتباك المحتملين، خصوصا والأمر يتعلق هذه الأمر بقناة اسمها 2M.

في القاعة الهائلة كانت هناك صفوف من المقاعد الفارغة تنتهي بمنصة سلطت عليها أضواء من جهات متعددة، مع ديكور أعد أساسا لهذه الغاية، إضافة طبعا إلى كاميرا من حجم كبير ماكثة في الوسط أشاهدها لأول مرة في حياتي.

طلب بداية أن أكتب موجزا بناء على مقال إخباري، ثم قرأءته أمام الكاميرا. انزويت جانبيا وأنجزت تحرير الموجز. وبتعليمات تنظيمية أخذت مكاني حسب الوضع المطلوب. وبمجرد ما بدأ التصوير انطلقت بسلاسة أقرأ ما كان بين يدي. خلالها تنبهت إلى أن لجنة التحكيم تشتغل بيقظة كاملة، وأنها تراقب كل تفاصيلي التعبيرية، تعابير الوجه واليدين، انحرافات العين، اهتزازات الجسد بأكمله، إلى غير ذلك مما يدخل في مجال التقييم البصري. كنت وأنا منهمكة في قراءة الموجز أخمن مع نفسي المعايير المفترضة التي قد يركز عليها الخبراء في المجال السمعي البصري فأحاول إظهارها بكل الاتقان المطلوب. ولكن وللحقيقة أيضا أنني لم أكن أتعامل مع ما يحدث بجدية فائقة، لأني في النهاية كنت أعتبر الأمر كله ليس إلا نتاج صدفة جمعتني في مطعم برجل يبحث عن وجه جديد للتلفزيون، فإذا لم ينجح فليس هناك ما قد يستدعي الحسرة أو الحزن أو الاكتئاب.

من جانب آخر، كان علي أيضا أن أجتاز اختبارا معرفيا متعلقا بمعلوماتي في مجال الأحداث الدولية والوقائع التي تشغل العالم وقتها مع «جاك أسلين..»فضيحة واترغايت، استقالة نيكسون، الصراع العربي الإسرائيلي (الموضوع المحبـــب إلى قلبــي لارتباطــه الدراماتيكي بالقضية الفليسطينية). وهنا علي أن أعترف بأن تجربتي التي كانت قد تعمقت أثناء تقديمي لبرامج إخبارية بميدي1 مكنتني من اجتياز الاختبار في راحة كاملة، لأنها كانت قد أتاحت لي الاطلاع الدقيق على كل مستجدات الأحداث حول العالم، بل أغنت حصيلتي المعرفية في هذا المجال وغيره.

اتنتهت المقابلة، وأسدل الستار. بدا لي الطيب الصديقي من بعيد راضيا عن أدائي على ما يبدو، فابتسامته الشغوفة أوحت لي بذلك.

أنهيت الاختبارت وغادرت مسرح محمد الخامس، بل غادرت الرباط معتقدة أن الأشواط التشويقية لهذه المغامرة انتهت هنا بالعاصمة.

اليوم الموالي، صباح الاثنين، وبينما أنا أستعد للذهاب إلى عملي بميدي1، رن الهاتف الثابت للبيت. كان الطيب الصديقي بنفسه على الخط. طبعا بعد تحيته التي لم تكن تخلو من نكهة فيها الكثير من الفكاهة، أخبرني بأن تقديرات لجنة التحكيم لأدائي كانت جيدة جدا، وبأنني تم اختياري ضمن أربعة آخرين من بين 400 مترشحين فرنكفونيين لتقديم الأخبار.

ومن طرائف الأمورأني علمت بعدها أن الطيب الصديقي وجاك أسلان منحاني 18/20، بينما السيدة أسلان زوجة جاك أظهرت صرامة تعدت الحدود الفنية منحتني إثرها 8/20.

هكذا، لم يتطلب الأمر إلا أسابيع قليلة تحولت معها من  «صوت» إلى «وجه» أو إلى «صورة»، وأصبحت أول امرأة مغربية محررة ومقدمة الأخبار التلفزية الفرنسية.

مقالات ذات صلة