تذكرة سفر : الحلقة الرابعة مع الإعلامية ثريا الصواف

طنجة انفو - عبدالإله المويسي

غـــادرت طنجــة، وقـــدمــت استقالتك من ميدي1 إذن؟

نعم. وطبعا لم يكن الأمر هينا، لا بالنسبة لي كما سبق أن أشرت لك، حيث أنني كنت قد رسخت وجودا جميلا بين الناس في طنجة، وحققت استقرارا حياتيا مريحا ومطردا، أو بالنسبة لميدي1 نفسها، هذه المؤسسة العتيدة التي كانت تبني أطرها وكوادرها بكل العناية الممكنة، وتسعى إلى الحفاظ عليها بكل الإصرار.

أذكر أنني، ذلك الصباح، وقبل أن أهاتفCasalta ، المدير العام لميدي1، قصد مفاتحته في موضوع استقالتي، شعرت  في داخلي أنني بصدد التخلي عن أمر جوهري ذي طبيعة روحية من كينونتي. كنت أهاتفه جالسة بصالون داخلي ببناية RTM حين انتابني هذا الإحساس الضاغط. وبكل الصدق، كانت لحظة قاسية.

أفهمته أنني مهتمة ومتحمسة لولوج هذه التجربة الجديدة، وقدمت له اعتذارا عميقا عن الطريقة المفاجئة التي أستقيل بها. كان الانزعاج بادياً على نبرته، غير أنه وبكل النبل الذي عهدته فيه رد على مكالمتي بلهجة فيها تراخ ملحوظ، لكن أيضا فيها تقبل معقول. قال لي:

ـ أتفهم تطلعاتك، وأنا مع أن ترتقي بأحلامك من سياق إلى آخر أفضل، لكن تأكدي أنني سأوافق على طلبك تقديرا لكل ما بذلته من تفان في خدمة القناة، وإيمانا بأنك ستبلين البلاء الحسن حيثما ستتواجدين. وواصل بالفرنسية:

ـ on ne peut pas déshabiller Paul pour habiller pierre

ثم ذكرنـــي في النهاية أن علي أن أتقدم باستقالتي مكتوبة مختومة.

اليوم الموالـــي، كنـــت قـــد كتبــت الاستقالة وأرسلتها له، حيث وضعت على مكتبه.

وهنا ينبغي أن أشير إلى أنني أيضا في قرارة نفسي كنت أشعر بطعم المغامرة في روحي تجاه ما كنت مقبلة عليه، سواء تعلق الأمر ببرنامجي الشخصي كامرأة وأنثى، أو بالسياق العام لحياتي المهنية.

حملت حقيبتي صباح ذلك اليوم، وألقيت نظرة وداع حزينة أخيرة على أطراف شقتي بطنجة، واتجهت صوب العاصمة.

بداية أقمت بفندق مدة شهرين، قبل أن أنتقل أنا وزميلة عمل أخرى  للسكن بشقة أنيقة ومجهزة بشكل جيد اقتناها لنا PAKARD.

كان لزاما علينا أن نخضع خلال هذه الفترة لبرنامج تكويني أولي أشرف عليه طبعا خبراء من TFI و France 2. وأتذكر أنني كنت أبذل الجهد الأقصى لتلقي أساسيات المهمة التي كانت ستوكل إلي.

من ناحية أخرى، كنا نتقاضى أجرا استثنائيا بحكم أننا لم نكن نتوفر بعد على الإطار القانوني المتعلق بحالتنا كأطر استحدثت انسجاما مع طموح مفاجئ من أجل تجديد أداء التلفزيون المغربي. وكإجراء أولي، كان هذا الوضع يملي على RTM التعامل معنا، من الناحية المالية، بنفس الصيغة التي يدفعون بها أجور الفنانين. وهي صيغة أقرب إلى مفهوم التعاقد المشروط فيما أعتقد.

ومهما يكن، وللحقيقة، فقد كان أجرا مغريا وقتها، ويفوق ما كنت أتقاضاه بميدي1. على الرغم من أن راتبي بميدي1 أيضا كان جيدا.

كان الأمر غريبا نوعا ما، حيث  أننا كنا نتوجه على رأس كل شهر إلى المقاطعة كي نصادق على تصريح حول المبلغ الذي كنا نتسلمه يدويا في مظروف.

وهكذا انطلق المشوار مع RTM.

كيف كانت مواجهتك الأولى مع التلفزيون؟

ـ واااو

ما أزال أذكر ذلك اليوم الاستثنائي الرهيب. كنا في الأستوديو نتهيأ، وكان صمت مخيف، وأجواء متوترة يعمان المكان، ويمنحانه حالة جمود أو تجمد.

كان فريق العمل بأكمله… التقنيـــون، فنيو الإضاءةّ، المصورون، والسيناريو المكتوب المترائي أمامنا،  وكل شيء آخر مرتبط بالبث قد وضع في حالة تأهب قصوى، ووضع رهن التصرف المضبوط  الدقيق لمدير الأستوديو.

أذكر جيدا كيف أن تلك العدسة الحمراء الصغيرة بدأت تضيء في إشارة إلى أننا على الهواء مباشرة. كان قلبي ينبض بقوة شديدة، وكان الضرب في صدري يتواتر ويتسارع إلى درجة أني كنت أشعر بصدى النبضات في رأسي. كنت مشلولة بسبب الخوف. ساقي تحت الدرج كانت تهتز. غير أن فكرة أن زميلي في البث كان هو أول من سيتواجه مع الانطلاق، منحتني شعورا صغيرا بالمواساة. وبدوره زميلي كان في حالة قصوى من الهلع.

وبدأ العد التنازلي  5… 4… 3… 2…1… 0… ثوان قبل البث المباشر.

ببشرة وجه شاحب تماما، على الرغم من مفعول الماكياج والمساحيق، وبصوت صارم، خاطب زميلي المشاهدين..

ـ « سيداتي سادتي مساء الخير».

ثم استرسل في تلاوة النص، على الرغم من التوتر، بل والتوتر الشديد.  واستطاع أن  يجتاز المواجهة الأولى بنجاح كبير.

ثم حان دوري لتولي المهمة. وها أنا أنظر مباشرة إلى الكاميرا، حيث تنقلنا لملايين المشاهدين الذين سيكتشفون لأول مرة وجوه مقدمي الأخبار التلفزيونية الجدد في RTM، القناة التلفزيونية الوحيدة بالمغرب في ذلك الوقت.

على البث المباشر، وتحت هيبة الأضواء، شعرت أني وحيدة أكثر من أي وقت مضى، وأني مطالبة أن أخوض مواجهتي من غير التفكير في تلقي أي مساعدة ممكنة أو محتملة. كان إحساسا مريرا بالعزلة.

موكولة إلى نفسي بهذا الشكل، تملكني خوف رهيب من الفشل ، ومن تفويت فرصتي وموعدي مع الحلم. وفي نفسي الوقت تملكني شعور آخر بأني علي أن أهزم التوتر مهما تطلب الأمر. أخيرا استجمعت نفسا عميقا معتقدًة أنه ليس لدي خيار آخر سوى النجاح.

ركزت على الكاميــــرا التي كان عليهـــا «ملقن» يتوالى معه النص. ويا له من نعمة هذا الملقن، إذ أنه من المطمئن أن تعرف أن كل شيء مكتوب، وأنه ليس واردا خطر النسيان. ومع ذلك، كان من الجيد أن أقرأ بلهجة طبيعية دون أن أظهر بأنني حرفيا، وأوتوماتيكا أتتبع تعليمات هذا الملقن، خصوصا فيما يتعلق باحترام علامات الترقيم. ولكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن جملي وعباراتي الأولى نطقتها بصوت مرتجف مصحوب بقلبي الخافق.

طبعا.. كانت هذه اللحظة واحدة من أكثر الأوقات كثافة وقساوة التي يجب أن أعيشها. ولسبب وجيه جدا، حيث كنا نعلم بأن هناك سلطة ما بين العيون التي تترقبنا في الظل … نظرة حتمية، متيقظة، متنبهة، ومهمة للغاية: نظرة الملك  الحسن الثانــي، العقــل المدبر لإصلاح التلفزيون المغربي. هذا التلفزيون الذي يتحرك، ويتحول إلى أقصى الحدود. هذا التلفزيون الذي أشرق بألوان زاهية مع استوديوهاته المتجددة ، وتصميمه الجرافيكي المغاير، ومعداته وتجهيزاته  عالية التطور.

وللحقيقة  لم يكن لدى تلفزيوننا أي شيء يشعر خلاله بالنقص أو الحسد أمام  قناتي TFI و France 2.

هل شعرت فعـلاً بأن تحـولا ًحقيقيا قد حدث في مشوارك؟

لقد كان الأمر بالنسبة لي تغييرا جذريا. فهذا الانغماس في عالم المعلومات الواسع المصور جعلني ببعد مغاير، وجعل عقلي متفتحًا أكثر، وبرؤية غير معهودة  تجاه وضع الإنسانية المثير القاسي والمخيف بحروبه وصراعاته وعنفه.

وللإنصاف المهني فقد كان علي مضاعفة جهودي في هذا العالم الضاج بالصور. وفعلا فقد كنت أشتغل بلا كلل مرتين إضافيتين، لأنني كنت أشعر أن من حولي، في مكتب التحرير، صحفيين جيدين يعملون في صناعة المادة الإخبارية بإتقان شديد. ومن جانب آخر كانت وتيرة فريق العمل مرتفعة للغاية تفرض عليك مماشات إيقاعها بما يتطلبه الأمر منك من تفان في إنجاز الربورتاجات الناجحة وانتقاء الموضوعات الحية وتركيب التعليقات الحادة الموفقة، والتي تساعد على «تسويق» المنتوج الإعلامي.

كان التجديد قبل كل شيء في حرية إيجاد النبرة المميزة واللباقة المتقبلة. لم يكن مثلا التطرق إلى الأنشطة الملكية أمرا مفروضا إلزاميا، والتي كانت، من الممكن، أن تشكل في الماضي خطأ مهنياً. كانت لدينا حرية حقيقية في اختيار توجهاتنا التي ستجعلنا نقترح على الناس تلفزيونا مغربيا حداثيا.

باختصار، لقد نجحنا في اختلاق تلفزيون جيد. كان المشاهدون ممتنين جدا، وكنا نعامل كنجوم. وكم كانت تبهجنا شهادات الاستلطاف التي نقابل بهـــا في الشوارع. كنا ملقبين ب «Zazous» في إشارة إلى أسلوبنا في اللباس. وهذه الشعبية لم تكن مثار إزعاج لنا.

مــــع اقتـــراب الثالـث من مـــارس، «عيد العرش»، هذا الحدث الرمزي العظيم بالنسبة للمغاربة، كان البلد بأكمله، من «طنجة إلى الكويرا» يحتفل بفرح مذهل بالذكرى الـ 25 لتربع صاحب الجلالة على العرش. تم وضع جميع الوسائل تحت تصرفنا لتغطية الحدث لمدة أسبوع. عبرت أطقم التليفزيون المملكة طولا وعرضا لتصوير البهجة والحماسة الشعبية، ولنقل شهادات سكان جميع المناطق المغربية.

لقد اضطلع التلفزيون بدوره كاملا في نقل الاحتفالات الرسمية، والمواسم الاحتفائية، وكل أشكال الأهازيج، والأغاني والرقصات، مدينة تلو مدينة ، حتى أقصى حدود المملكة.

بعد الاحتفالات، كنا نعود لوتيرتنا العادية في التحرير.

لقد  ظل TVM، لبعض الوقت، تلفزيونًا مبتكرًا وعصريًا، يمارس اختياراته في افتتاحيات الأخبار بكل حرية.

تجربة بهذا التحول والانتقال، في طبيعة الاشتغـــال المهني، فعلا أنضجـــت تجربتـــي وعمقتها، وصوبت بوصلتها نحو الأجود.

 

مقالات ذات صلة