التصويت على الميزانية بحضور أقلية!..

جريدة طنجة – إعداد : مصطفى بديع السوسي ( الحكومة الجديدة بالمغرب ) 

• كيف نفسر حضور 160 نـائبــًا فقط من أعضاء مجلس النواب؟
• الأجر مقابل العمل فكيف بأجر يدفع مقابل لا شيء؟!..
• ظهرت طبقة رجال الفشوش وهم يقتعدون كراسي البرلمان الوثيرة نياما شاخرين.

رغـمَ الحوافز والإمتيازات والعطايا التي تغدق على نواب الأمة وهم في الحقيقة نواب أنفسهم… ورغم الهدايا المباشرة والمقنعة والملفوفة في أوراق السلوفان والشرائط المذهبة… ورغم القيل والقال وكثرة السؤال… والكرم الحاتمي الذي تعدى منح هواتف ذكية…و اشتركات مجانية في وسائل الاتصال إلى الإطعام والإسكان ووسائل النقل ومعاشات الديمومة وزد من عنك ما شئت خيالا أو واقعا فكله ينطبق على مجلسنا ونوابنا المحترمين.. رغم هذا وذاك مما لا مثيل له ولا شبيه في كل برلمانات العالم مما يوحي بأننا لسنا دولة سائر في طريق النمو ما دمنا نفوق في الكرم الحاتمي دولا متقدمة صاعدة، رغم ذلك فإن الواقع المخزي، وتدني الفكر السياسي يؤشران لضحالة فكرية، سياسية توعوية توشي بفقر مدقع، وأمية ثقافية، وتململ الضمير بين السبات والغياب.

فكيف نفسر غياب أغلبية الأعضاء عن مناقشة ودراسة والتصويت على الميزانية السنوية برسم سنة 2017 ـ 2018؟ وكيف نفسر حضور 160 نائبا فقط من أعضاء مجلس النواب؟ رغم كل الحوافز المادية والمعنوية التي أوردناها سابقا ليس للأمر تفسير إلا ماذكرته عن الأمية السياسية، والضمير المتواري خلف غشاوة ملؤها الضباب وارتباك الرؤية.

يكفي أن يحصل النواب على تعويضاتهم الشهرية ليقوموا بواجبهم فهم لا يعوضون لسوادعيونهم ولكن نظير المهام التمثيلية التي يقومون بها، وهم لذلك ملزمون بالقيام بمسؤولياتهم اعتباراً لما تردده المقولة الرسمية الأجر مقابل العمل، فكيف بأجر يدفع مقابل لاشيء؟!… أو أنه شعار لا يرفع إلا في وجه المضربين من الموظفين الصغار والمستخدمين الذين يضربون كنوع من الاحتجاج القانوني ضد أوضاع مجحفة… وحقوق ضائعة.. أو شطط يرتكبه الكبار ضد الصغار!… فكيف بهم، أقصد النواب المحترمين، لا يكتفون بالتعويضات الشهرية، ولكنهم يزيدون عليها، ويكيلون بمكيال ثقيل من خزائن الدولة الفقيرة… ثم يقولون: هل من مزيد… جلهم فضلا عن مهامهم البرلمانية ينتسبون لمجالس ومؤسسات يأخذون منها تعويضات سمينة مقابل حضور يتيم…. ودقائق معدودة ثم يغادرون سمانا في انتظار اجتماعات سخيفة أخرى.

ورجوعا إلى الميزانية فهم يعلمون بأنها رهان المستقبل وأنها توقعات وبرامج وأرقام لسنة كاملة تشمل كل مناحي الحياة، وتلمس كل الآفاق والميادين والأنشطة في التسيير والتجهيز، ومع ذلك فالنواب لا يعيرون الأمر أهمية توازي أهمية ما تطرحه الميزانية من معطيات تقنية وعلمية ومادية…

يكفي أن تظل السيولة جارية… والصنبور متدفق يملأ الأرصدة المنتفخة أصلا، والجيوب، والأوداج، والبطون التي تكورت وانتفخت بعد التبرك بتربة المجلس العطرة وإكراميات رؤساء مؤتمنون على المال العام وما أفرزته الانتخابات السابقة… ومشاورات تشكيل الحكومة المستعصية… والتجمعات ….
والخطابات العنترية والتنابز بالألقاب.. والضحك على الذقون… وصرف ما هو ممنوع من الصرف، كل هذا يعطى الانطباع بأن الأحزاب المغربية أصبحت كما هلاميا لا جدوى منه… تساوت كل الشعارات والمرجعيات والأفكار الطيارة… بينما فضلة أحزاب لا تظهر الإ موسميا… ولغايات في نفس يعقوب…وفي خطوة خجولة، مترددة، وجه رئيس مجلس النواب رسائل تنبيه للنواب الغائبين في جلسة التصويت على الميزانية وهذه الخطوة في حد ذاتها مهزلة ومحاولة للفلفة المشكل بإجراء لا ينفع ولا يضر… ولا يقدم ولا يؤخر ويميع قضية الغياب ويغرقها في تعويمات فضفاضة ليس لها أول ولا آخر، هذا الإجراء كان قد اتخذ سابقا ولم يؤت أكله… ولوح رؤساء سابقون بورارات هزلية ظلت تراوح مكانها بعيداً عن مجال التنفيذ والتطبيق قالوا أن الرئاسة ستقتطع من تعويضات النواب الغائبين؟.. وقالوا أن كل نائب سيفصل عن المجلس ويجرد من تمثيليته إذا تغيب ثلاث مرات.

وقالوا أن بعض النواب يستغل امتيازات التخفيض في أجور المبيت بفنادق العاصمة لأغزاضه الشخصية بعيدا عن مهامه التمثيلية… وقالوا…. قالوا… ثم اتضح أنها زوبعة في فنجان، وأن حليمة تحافظ على عادتها القديمة… وأن مسألة اللامبالاة تشمل الجميع… لم يقتطع من تعويض أحد أحد من المصابين بوباء التغيب المزمن؟… ولم يفصل نائب عن مهامه لتذهب إلى ضيعته يمارس حلب أبقاره ورعاية نعاجه، وممارسة طقوسه الاستبدادية على مستخدميه…. ولم ينبه أو ينذر أحد من الانتهازيين الذين حولوا الامتيازات إلى حقوق يتصرفون فيها تصرف المالك في متاعه، بل زادوهم تخفيضات شركة الخطوط الجوية… وهكذا تسير الأمور منذ وجدت هذه المؤسسة التي لايحتاج أحد إلى خدماتها… والتي تستنزف المال العام استنزافا شرها… نهما…. دون توقف…. وحبذا لو أقلعت الرئاسة…رئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس المستشارين عن مسألة البنك المحدود… والعطاء المفرط… وإهدارالمال العام فيما لاجدوى منه…حبذا لو ألغيت كل الامتيازات لتزول من حياتنا وتختفي نهائيا طبقة “رجال الفشوش” فلم يعد عندنا. في مجتمعنا… وتحت ظل سمائنا… وفوق أديم أرضنا الطبقة المخملية “أولاد الفشوش” الذين عاثوا في الأرض فسادا مستندين على أسماء آبائهم وذويهم وقبيلتهم، بل ظهرت طبقة أخرى أكثر منهم نزقا… طبقة “رجال الفشوش” وهم يقتعدون كراسي البرلمان الوثيرة نياما، شاخرين لا يفيقون إلاّ للتصويت برفع الأيدي، أو عند المغادرة….

وهكذا ساهم المال السائب في ولادة هذه الطبقة الجديدة بكل تناقضاتها وفكرها الضحل….
وإلى أن تناقش ميزانية أخرى يعد عمر طويل إنشاء اللّه، وأن يصوت بالإجماع… إجماع الأحزاب المؤلفة قلوبهم في تشكيلة فسيفسائية غريبة… إجماع من حضر… فإن البون الشاسع بين من لا يملكون إلا الأحلام ولاشيء غير الأحلام، ومن يحلقون في السماء متنقلين من مكان إلى آخر، ومتسلقي السلاليم بقفزات طائرة خاطفة سيظل قائما… مزمنا راسخا في الذات والوجدان والواقع مالم تتحرك مياه البحيرة الآسنة الراكدة…. ومالم يتخل ذوو الامتيازات والمكاسب عن أنانيتهم، وينسجون خيوطا قوية متماسكة تربط بينهم وبين الناس الآخرين ممن لا حول لهم ولاقوة..

 

مقالات ذات صلة