مسارات شخصيات فاعلة خلدها التاريخ : الفقيه الحاج عبد الله بن الحاج عبد الرحمن بن عبد الصادق 1906-1965

مصطفى بديع ااسوسي

ولد الحاج عبد الله بمدينة طنجة في حدود سنة 1906م، وبها حفظ القرآن وتلقى بعض الدروس على فقهائها ثم وجهه والد إلى فاس للأخذ عن علمائها، ولما عاد إلى طنجة جعل كل همه في إلقاء الدروس على الطلبة وعقد حلقات العلم بالمسجد مع إمامة الصلوات الخمس بالمسجد الأعظم وخطبة الجمعة بمسجد سيدي بوعبيد. وكان جل وقته مشغولا بالتدريس والعبادة مع صلاح وتقوى وملازمة لمجالس الذكر وإتقان جيد لفن السماع، وطلبته يعدون بالمئات. وكان لا يتأخر عن أي طلب يطلب منه لتدريس العلوم فعم النفع به وبطلبته من بعده. ومن العمل الإداري الذي تقلده خليفة لباشا طنجة وعضوا في المحكمة الاستئنافية الشرعية الخصوصية بطنجة خلفا للسيد الحسن الغسال المتوفى تاريخ ظهير التعيين 12 جمادى الأولى عام 1359ه يونيو 1940م . توفي بطنجة يوم الأربعاء 4 رجب عام 1385ه ـ موافق 19 أكتوبر 1965م، ودفن بروضة آل بن عبد الصادق بمقبرة مرشان.
زهد مع سعة وتواضع جم آية في الاستقامة وحسن السلوك، سليل الأمجاد المجاهدين المغاوير وتحفة الفقهاء والعلماء في غير ادعاء ولا رياء، ذلك هو فقيدنا العزيز عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الصادق.
هو أحد أبناء طنجة الأبرار، وهب حياته كلها للعلم الشريف، تلقيا وتلقينا، وأحد خريجي جامعة القرويين العتيدة، فما أن أتم دراسته بها، حتى استقر بمسقط رأسه، وتعاطى لنشر العلم في مختلف مساجد طنجة عل الطريقة التقليدية.
وعندما انضمت مدينة طنجة للمنطقة الخليفية أيام الحرب العظمى الثانية، عين نائبا للباشا، أخيه المرحوم السيد محمد، فأقام في وظيفته تلك، عاملا على إصلاح ذات البين بين المدعين، والماثلين أمام الباشوية، التي كان مقرها بالقصبة، مثالا صادقا في إصلاح أمر المسلمين بما حباه الله من سعة الصدر، والرضا بالقدر، وحبا في لقاء المولى عز وجل على طهارة نفسية.
وعندما رجعت المدينة إلى سابق نظامها تحت الإدارة الدولية، اعتزل وظيفة المخزن، وعاد إلى ما أهله الله إليه من تدريس، حيث أصبح له كرسي بالمسجد الأعظم بصفة رسمية، مع احتفاظه بإعطاء دروس اختيارية في مساجد وزوايا عديدة، حتى صار بمثابة مدرسة متنقلة. وكانت دروسه النظامية والوعظية تتسم بالبركة والمرح، لخلوص نيته لله، إذ لم يكن يتقاضى أجرا عن كل ذلك ، وحتى ما كان مخصصا له من نظارة الأوقاف، كان يصرفه على الأسر الضعيفة من سكان بلدته.
وقد اختير إماما راتبا بالمسجد الأعظم، بعد وفاة الإمام السابق الورع الكريم، السيد العربي بوسلهام، تغمده الله برحمته، ومدة إمامة المرحوم ابن عبد الصادق استغرقت أربعين سنة، كان إلى جانبها خطيبا بمسجد سيدي بوعبيد ثم بضريح سيدي محمد الحاج بوعراقية رضي الله عنه.
فكان يعد بحق موسوعة نادرة في هذا المضمار.
وإن ينس أناس، فلا ينسوا خروجه من تلك المقصورة المباركة بالمسجد الأعظم الخالد، وقد غصت رحابه بالمصلين في ليلة القدر من كل عام، فيتقدم في تؤدة وبهاء إلى المحراب، لختم السلكة، ولا تسل كيف كانت تلاوته أيمئذ، تمس الأفئدة، والمصلون يجهشون بالبكاء، من ورائه، تضرعا لله، دعاء وابتهالا.
أما جلساته فكانت لا تخلو من مرح ودعابات أدبية، الأمر الذي جعل شيخنا ينعم بمحبة الجميع، شبابا وكهولا وشيبا.
وقد انتقل إلى جوار الله هادئ البال، مطمئن الفؤاد، وآخر آية شرحها ليلة وفاته بالمسجد “ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون” . وقد شيعت جنازته في بحر خضم من المحبين، ودفن إلى جانب والده بمقبرة آل ابن عبد الصادق بمرشان. فرضي الله عنه تمام الرضى، وألحقه بمن أنعم عليهم، وجعله محفوفا بالرحمة في أكرم نزل، إنه بعباده لطيف خبير .

مقالات ذات صلة