العنف ضد النساء بين الظاهرة و الجريمة

تتزايد مظاهر العنف المنتشرة في المجتمع المغربي، ويعتبر العنف الأسري من أكثر أشكال هذا العنف انتشاراً، علاوة على أنَ النساء في أغلب الأحيان هنَ ضحايا ذلك العنف الأسري، أيَا كانت الأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية، وحتى إذا لم يكن أنفسهن طرفاً فيها فهنَ دائماً اللاتي يدفعن الثمن الأكثر فداحة، والمقصود بالنساء ضحايا العنف الأسري، النساء اللواتي تعرضنَ لاعتداء جسمي أو جنسي أو تمَ استغلالهن من أحد الأشخاص الذين تربطهن به علاقة حميمة.   

 من خلال ذلك لابد أن نقر أنّ العنف الأسري يعدّ عنفاً ذو طبيعة خاصة، وذلك لامتداد أثره على المحيطين بالمرأة، سواء كانوا أبناء أم أقرباء، مما يعكس آثار سلبية على تقدم المجتمع، من خلال الخلل في قيام المرأة بأدوارها، بخاصة دورها في تنشئة الأجيال نظراً للاضطرابات النفسية التي تفرزها التنشئة الخاطئة للأم المقهورة و المحبطة، ، بالإضافة إلى الأثر السلبي للعنف على المدى القصير على تعليم وصحة ومشاركة المرأة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما يؤثر مباشرة على تقدم المجتمع، وبالتالي فإنَ التمييز ضد المرأة سواء في الأسرة أو المجتمع يحرمها من المساواة في جميع مجالات الحياة ويعتبر مظهراً لعلاقات غير متكافئة بين الرجل والمرأة، ويعتبر العنف ضد المرأة انتهاكا لحقوقها كإنسان, هذا و يجب التذكير أن  ظاهرة العنف ضد المرأة هي ظاهرة عالمية تعاني منها كل المجتمعات ومنها المجتمع العربي.

وقد تزايدت وتيرة العنف ضد المرأة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة في ضوء سياقات عدم الاستقرار الأمني والنزاعات في عدد من الدول، ثم جاءت جائحة فيروس كورونا المستجد لتعزز من ممارسات العنف الذي تتعرض له النساء في ظل ظروف الحجر المنزلي.

 وكنتيجة لذلك, أجمعت الدراسات على أنَ انخفاض المستوى المعيشي والاقتصادي لكل من الجاني والضحية والنشأة في بيئة تمارس العنف وضعف احتمال المسائل القانونية للجاني كلها عوامل مدعمة للعنف، فالمرأة الأميَة وغير العاملة أكثر احتمالا للتعرض للعنف نظراً لفقدانها القدرة على حماية نفسها وإدارة شؤونها واحترامها لذاتها.

 و لمواجهة ظاهرة العنف ضد النساء التي بدأت تعرف انتشارا مهما داخل المجتمع المغربي، فقد تم سن مشروع قانون رقم 103.13 لمناهضة العنف ضد النساء الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2018 للحد من الظاهرة بعد مسار تشريعي حافل وطويل, غير أن السؤال المطروح و بشكل جلي, هل يمكن أن نعول على القانون في ردع هذه الظاهرة المجتمعية؟

 القانون الجديد السالف الذكر، ينص لأول مرة على عقوبات مشددة في حالة العنف ضد المرأة والتحرش بها، كما يعاقب على العنف الزوجي وغيره من أشكال العنف. لكن بينما يعبر بعض الحقوقيين عن ارتياحهم لهذه الخطوة، فإن آخرين يعتبرونها خطوة ناقصة، مطالبين بتعديله لينسجم مع التشريعات الدولية، فرغم الانتقادات التي وجهت للقانون، إلا أن المتتبعين يراهنون على كيفية تنزيله، حيث أكد الأستاذ والمحامي خليل الإدريسي أن أي نص تشريعي لا يمكن تقييمه بشكل موضوعي إلا بعد تطبيقه في الواقع والوقوف على سلبياته وإيجابياته.

 أما الملاحظات التي يمكن إبداؤها في هذه المرحلة، فلن تتجاوز حدود الصياغة والتعليق على المقتضيات التشريعية.

وهذا الأمر حاول مجموعة من المهتمين بهذا النص من حقوقيين وفاعلين مجتمعيين الإحاطة به، خلال فترة مناقشته كمشروع وكذا عند تداوله داخل المؤسسة التشريعية, علما أن القوانين عموما وبالخصوص الزجرية منها، ما هي إلا الحلقة الأخيرة لضمان أمن المجتمع لأنها تعالج الحالات الشاذة داخله، لذلك قبل الحديث عن القانون، علينا أن نهتم بالآليات الكفيلة بإبراز القيمة الحقيقية للمرأة داخل المجتمع وتربية الأفراد على احترامها وحمايتها”. وذلك لا يتم إلا من خلال “إعادة النظر في مناهجنا التربوية والتعليمية وتوجهاتنا الثقافية وجميع الوسائل المؤثرة في وعي المواطنين، سواء المؤسسات الإعلامية أو المرافق العمومية.

فردا على السؤال السابق, هل يمكن أن نعول على القانون في ردع هذه الظاهرة المجتمعية؟

يمكن القول أنه لا يمكن الحديث عن الحد من هذه الظاهرة وإنما التخفيف منها لان العنف رهين بالخلفية الاجتماعية ومنه نخلص إلى حقيقة مفادها أن موضوع محاربة العنف ضد المرأة يكتسي أهمية بالغة ويتبين ذلك من خلال تطويقه بمجموعة من القوانين الوطنية والدولية ومع دلك لازال يعاني قصورا خاصة من خلال التشريع الأخير(103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد المرأة) من قبل الوزارة الوصية في مجال النهوض بحقوق المرأة بتركيزها على الجانب الزجري واغفال اعتمادها على الجانب الحمائي و الجانب الوقائي.

حتى وإن كان هذا  القانون ثمرة نقاش وجدال احتد في محطات كثيرة واستغرق فترة زمنية ليست بالهينة وكان موضوع تعديلات عديدة قبل أن يحصل التوافق الذي توج بالمصادقة ، مستجيبا بذلك لمطالب رفعتها ودافعت عنها الحركات النسائية ومنظمات  المجتمع المدني في سياق ينبغي فيه تحقيق الانسجام الضروري مع مقتضيات دستور المملكة المتعلق بالمساواة والنهوض بحقوق المرأة وحمايتها والتصدي لكل أشكال التمييز التي تتعرض لها.

وبما أن القاعدة تقول، “لكل شيء اذا ما تم نقصان”، فحسب المهتمين و الحقوقيين و القانونيين..أن القانون لم يكن شاملا  فقد أغفل المشرع المغربي فيه العديد من النقاط التي لها من الأهمية بما كان وقد تساهم بدورها  في  التخفيف من هذه الظاهرة نذكر أهمها :

  1. – أن هناك خطأ في تسمية القانون بحيث نجده يتضمن الأسرة ككل وليس المرأة على وجه الخصوص.
  2.   – طغيان البعد الزجري على الأبعاد الأخرى أي هو قانون ردعي أكثر مما هو حمائي ووقائي وهو قانون جنائي وليس مستق 
  3.   – أن هناك فراغ قانوني حول التدابير التي يمكن أن تساهم في التنفيذ.
  4.   – إشكالية الإثبات في هذا القانون خاصة وأنه اعتمد وسائل الإثبات الكلاسيكية.
  5.   – صعوبة الولوج إلى العدالة نظرا للظروف الاقتصادية والاجتماعية وقلة الوعي والأمية.
  6.   –  قلة مراكز التكفل بالنساء ضحايا العنف.
  7. –  الحد الأدنى والأقصى للعقوبة.

 في الوقت الذي نحيي فيه حملة 16 يوما من النشاط السنوي ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي (25 تشرين الثاني/نوفمبر – 10 كانون الأول/ديسمبر)، تتعاون هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع الناجين والناشطين وصناع القرار ومنظومة الأمم المتحدة والأشخاص من كل مناحي الحياة، من أجل تسليط الضوء على الحاجة إلى التمويل والخدمات الأساسية والوقاية والبيانات التي تساهم في صياغة استجابات مستنيرة بشكل أفضل.

و لأجل العمل على الحد من ظاهرة العنف ضد النساء تحث الأمم المتحدة على تنفيذ توصيات مهمة منها:

  •   يشمل الإطار القانوني الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، و إعلان الأمم المتحدة لعام 1993 بشأن القضاء على العنف ضد المرأة. ورغم أن بلدان المنطقة كلها تقريبًا أطرافٌ في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، فقد أبدت كلٌ منها تحفظات عامة أو محددة على الاتفاقية بأكملها أو على مواد مُعيّنة بها، مما يؤثر على التنفيذ الفعال للاتفاقية في تلك البلدان. كما أن البروتوكول الاختياري لاتفاقية سيداو، والذي يحدد الوسائل الإضافية لإيصال الشكاوى إلى هيئة الخبراء الدولية المُكلّفة باستعراض تنفيذ البلدان للاتفاقية، لم تصدّق عليه سوى ثلاثة من بلدان المنطقة فقط هي: المغرب وتونس وليبيا. مسترشدًا بالأطُر الدولية ذات الصلة، يعمل المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية مع شركائه للتصدي للعنف ضد المرأة وفقاً للأولويات الثلاث التالية:
  • المعايير: يدعو المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية إلى اعتماد أطر تشريعية وسياسية شاملة للتصدي للعنف ضد النساء والفتيات. وينبغي أن يتضمّن النهج التشريعي الشامل تجريم جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات، ومقاضاة الجناة ومعاقبتهم على نحو فعال، وحماية الناجيات ودعمهن وتمكينهن.
  • التنسيق: يتبنى المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية نهجاً شاملًا يضم أصحاب المصلحة المتعددين؛ ويعتمد على الخبرة التكاملية لوكالات الأمم المتحدة، والحكومات، والمجموعات النسائية والمجموعات المجتمعية الأخرى في تقديم المشورة في مجال السياسات؛ وتعزيز قدرات أصحاب المصلحة  الرئيسين على تطوير تدخلات تتماشى مع المعايير الدولية؛ وتطوير الإرشادات ونشر ها، وأدوات التنفيذ، والموارد.
  • التنفيذ: يعمل المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية على تغيير الأعراف الاجتماعية والقوالب النمطية للنوع الاجتماعي ودعم تقديم الخدمات  للناجيات من العنف. يرتكز العنف على القبول الاجتماعي المستمر للتمييز ضد المرأة بين الذكور والإناث في المنطقة. تعمل هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع منظمات المجتمع المدني والإعلام والزعماء الدينيين والجهات الفاعلة الرئيسة لتغيير المواقف من العنف ضد المرأة.

علاوةً على ذلك، يُمثل توفير الخدمات جزءًا حاسمًا في حل لغز الوقاية من العنف ضد النساء والفتيات والاستجابة له. في المنطقة،  ما تزال هناك فجوة بين الاتفاقيات والالتزامات المُتّخذة على المستوى التدخلي لتقديم خدمات بشأن العنف ضد المرأة من جهة والتنفيذ على المستوى القُطري من جهة أخرى. من خلال برنامج ” مجموعة الخدمات الأساسية للنساء والفتيات المتعرّضات للعنف” تعمل هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى على معالجة العنف ضد النساء والفتيات في الدول العربية.

لكل هذا يرى جل الخبراء القانونيون أن جريمة العنف ضد المرأة واحدة من الجرائم التي لا يجرى التبليغ عنها في حالات عديدة و ذلك بحسب الاعتقاد الشائع لأن المعتدي يجد تبريرا لممارسة العنف بغض النطر عن هدفه.

إن خطورة جريمة العنف ضد النساء تتطلب تحسيس جميع أفراد المجتمع و مؤسساته للعمل على الحد من تفشي العنف و التطبيع معه, لان قضية المرأة تدخل في نطاق قضايا الامة الثقافية و السياسية والاقتصادية و التنموية, و الرفع من مستواها و حل مشاكلها نرتقي بالأمة جمعاء.

Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ أكثر