أسباب دفعت إسبانيا إلى تغيير موقفها من قضية الصحراء المغربية

الدكتور ابراهيم المراكشي

الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز للعاهل المغربي، لم تنص صراحة على مغربية الصحراء، ولكن يستشف منها ذلك ضمنيا، إذ نصت على جدية وواقعية الحكم الذاتي كحل لمشكل الصحراء، وهو ما يعد تحول نوعي في موقف الجارة الشمالية. كما جاء ذلك على لسان وزير خارجيته أمام الصحفيين في برشلونة، الذي أكد بدوره على أن إسبانيا تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المُقَدّمة في 2007، من جانب المغرب، هي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل هذا النزاع.

فما هو السر وراء هذا التحول الجذري بشأن موقف إسبانيا من قضية وحدتنا الترابية؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال، وجب التنبيه إلى كون مشروع الحكم الذاتي سيحل مشكل الصحراء، لكنه في المقابل سيدخل البلاد في متاهات أخرى عند تنزيله، لكنها أخف وأهون، مادامت مسألة السيادة قد حسم أمرها.

إن تغير الموقف الاسباني لم يأتي من فراغ، إذ لا يعقل أن يقدم بيدرو سانشيز على تقديم هدية على طبق من فضة للمغرب دون مقابل. أنا على يقين أن هذا القرار جاء ضمن سياق مفاوضات بين البلدين، فالعلاقة لم تتوقف، ولم تنقطع بين البلدين رغم سحب المغرب لسفيرتها من مدريد، والتنسيق ظل قائما، خاصة في القضايا الأمنية. لهذا ننتظر أن يقدم المغرب في  قادم الأيام على خطوات إيجابية تعيد الدفء للعلاقة ببن الجارين، كعودة السفيرة المغربية إلى مدريد، ولا أستبعد إقدام المغرب على إعادة فتح الحدود مع الثغرين المحتلين سبتة ومليليةَ، في إطار لعبة تبادل المصالح، لابد أن يكون لهذا القرار الإسباني ثمنه، سيتضح لنا نوعيته ومستواه ومداه في الأسابيع القليلة المقبلة.

إن هذا القرار الذي تضمنته الرسالة المذكورة يعبر عن إرادة إسبانيا في تصحيح مسار علاقتها مع المغرب، وطفي صفحة الخلافات، بعد أن أدركت أن هذا الأخير شريك لا محيد عنه للخروج من أزمتها الاقتصادية. داخليا تمر المملكة الإسبانية بأسوأ أزمة اقتصادية منذ وفاة الجنرال فرانكو.

أزمة غالي، ودخوله بوثائق مزورة إلى التراب الإسباني، أضرت بشكل كبير بمصالحها التجارية والاقتصادية مع المغرب، وكان أكبر متضرر من ذلك هي جهة الأندلس ومدينتي سبتة ومليلية. فإسبانيا اليوم أكثر من أي وقت مضى في حاجة للأسواق المغربية لتصريف منتجاتها بهدف إنقاذ بعض القطاعات الصناعية من الإفلاس، كما أن متغيرات كثيرة حدثت في الآونة الأخيرة بعثرت التوازنات الإقليمية السابقة. مسألة أخرى مهمة وجب  الانتباه إليها، وهي أن الاقتصاد الإسباني في أمس الحاجة للغاز، والمغرب سيدخل قريبا نادي مصدري هذه المادة الحيوية. ينبغي ربط هذا القرار بالاتفاق الذي أُبرم مؤخرا والذي بموجبه سيتم إعادة تشغيل الأنبوب في الاتجاه المعاكس، وقريبا سيصدر المغرب، َمن خلال شركة ساوند إنرجي، الغاز لإسبانيا عبره، هذا الأنبوب بموجب القانون الدولي أصبح في ملكية المغرب. البرتغال ستستفيد بدورها من هذا الاتفاق، وعلى المدى المتوسط بعض دول الاتحاد الأوروبي. هذه الأخيرة تبحث عن الحلول للتقليل من تبعيتها للغاز الروسي. إسبانيا، ومعها أوروبا اليوم، تدرك جيدا أنها لا يمكنها الاستغناء، في المنظور القصير، عن الغاز الروسي، والمغرب يشكل بديلا معقولا على المدى المتوسط، عبر أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، الذي حسم فيه الاتحاد الأوروبي الوجهة الجغرافية لصالح المغرب، الذي فرض نفسه في الآونة الأخيرة كقوة إقليمية على حساب مكانة الجزائر. هذا الاختيار وقع نتيجة لعدم استقرار الدول الذي سيمر منه الأنبوب من جهة الجَزائر.

إن قرار إسبانيا الأخير هو أيضا نتيجة أخطاء قاتلة ارتكبتها الدبلوماسية الجزائرية، أو بالأحرى المؤسسة العسكرية المتحكمة بدهاليز السلطة، هذه الأخيرة قدمت هدية على طبق من ذهب حينما قررت وقف تصدير الغاز  عبر الأنبوب الذي يمر من المغرب، ضاربةً عرض الحائط مصالح شعبها، في المقابل فشلت في الوفاء بالتزاماتها إيصال الغاز عبر البواخر نحو إسبانيا. الاتحاد الأوروبي أصبح ينظر إلى الجَزائر كشريك يصعب الوثوق به.

من زاوية أخرى يمكن قراءة قرار رئيس الحكومة الإسباني كانتصار للموقف المغربي الذي وضع الاعتراف بمغربية الصحراء كشرط أساسي لاستئناف العلاقة الدبلوماسية بين البلدين. لقد قالها وزير الخارجية المغربي بأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. لكن ما الذي تغير؟ فمغرب اليوم ليست أفضل اقتصاديا من مغرب الأمس، كذلك الشأن بالنسبة للوضعية الاجتماعية التي سجلت تراجعا نتيجة تداعيات الوباء كوفيد-19. الذي تغير في الواقع هو الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، الذي قلب الموازين، ودخول إسرائيل على الخط في تحالف استراتيجي مختلف الأبعاد مع المغرب. وهنا لا بد من التنويه بالدور المهم الذي يلعبه اليهود المغاربة في تدعيم وجهة نظر المغرب بخصوص عدالة. موقفه من صحراءه في المحافل الدولية.

هل قرار بيدرو سانشيس نهائي؟

لا شيء يؤكد ذلك، وليس هناك أية ضمانات. فما كتبه بالأمس بيده اليمنى، من السهل ان يتراجع عنه اليوم،. قد يمحوه بيده اليسرى في الغد، خاصة وأنه ليس هناك إجماع حكومي بخصوص الخطوة التي أقدم عليها رئيس الحكومة الإسباني، بل إن بعض الوزراء لم يكونوا على علم بالقرار، الذي يبدو أنه قد اتخذ داخل الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس. كما أن الأصوات المعارضة لهذا التغير في الموقف الإسباني بدأت تتعالى من داخل الحزب الاشتراكي وحزب بوديموس المشارك في الحكومة. إن استمرار الموقف الجديد لإسبانيا وثباته رهين بالمقابل الذي ستحصل عليه الجارة الشمالية، وأيضا بما سيقدم عليه المغرب من خطوات في إطار لعبة التوازنات ولعبة المصالح المتبادلة. الكرة الآن في ملعب المغرب.

نصل الآن للحديث عن انعكاسات هذا القرار على طبيعة العلاقات الجزائرية المغربية، ومآل معضلة ما يصطلح عليه ب “الصحراء الغربية”. المغرب في الآونة الأخيرة عزز موقفه على الصعيد الدولي، الذي يحظى بمصداقية، مسجلا انتصارات دبلوماسية هامة على حساب الجزائر، ودميتها البوليساريو. المغرب دق مسمارا آخر في نعش جبهة البوليساريو، لقد حسم الصراع لصالحه، لكن عليه أن يدرك جيدا أن في كل مسمار يدقه في نعش “الصحراء الغربية”، يقترب أكثر من مواجهة مسلحة مع الجارة الشرقية. المؤسسة العسكرية الجزائرية لن ترضى بخروجها خاوية الوفاض من هذا النزاع. في هذا الإطار، تبدو مسألة حتمية الحرب بين الجزائر والمغرب. المغرب عليه أن يتعامل بكل جدية مع هذا الاحتمال، وأن يحرك حلفائه لتفادي الدخول في مواجهة مسلحة، وفي نفس الوقت أن يعد عدته لذلك.

Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ أكثر