صلاح الوديع ينعي عازف الكمان المرحوم أحمد بن يحيى
نعى الشاعر والكاتب الأدبي والسياسي صلاح الوديع، الموسيقي عازف آلة الكمان أحمد بن يحيى، واصفا إياه بـ”الرجل الصامت الذي اختار أن يتحدث إلى العالم بآلةِ كمانٍ سكنتْ روحه فاستودعها كل شيء حتى نسي أنه كائن بيننا، من فرط ما تماهى مع أبعاده الجوهرية”.
وودع الكاتب المغربي صديقه الموسيقي، الذي تعرف عليه وفق ما ذكر في نعيه، بالصدفة، عندما كان الراحل ضمن فريق فني يحيي جلسات موسيقى ضمن الأنشطة الثقافية للهلال الأحمر المغربي بالبيضاء.
ونعاه الوديع قائلا، “كانت تلفه هالة من السكينة، كان رجلا حيياً يتحرك بيننا مثل ظل شفيف. رجلا يسائل الزمن الغادر ويستبق الوداع الغدار”.
وأضاف، “منذ أسابيع وفجأة رحل سي أحمد في صمت، رحل كأنه يعتذر”.
وتابع، “نسي سي أحمد بنيحيى أن يوفر مسكنا في مكان ما من الكون واختار أن يسكن بين حنايانا، بين شغاف قلوبنا”.
وزاد ناعيا، “كنا في حضرته نرقبه وهو يناجي كمنجته. يبثها شوقا متراميا على ضفاف الروح التي لا تحد. كأنه استمع قبل أي واحد منا إلى شعر درويش يقول:
الكمنجات تبكي على زمن ضائع لا يعود
الكَمَنجاتُ تُحْرقُ غَاباتِ ذَاكَ الظلَامِ الْبعيدِ الْبعيدْ
وأردف الوديع ينعي واصفا حياة الراحل، “كأنه جالسَ الشاعرَ وهو يكتبُ من محبرة الرائي الذي يرى ما لا يراه الآخرون، إلا بعد مرور الزمن..نظرت إليه على التسجيل القديم، يسترجع إيماءات قصيدة “القمر الأحمر..ينتظر صمت الكمنجات الصادحة لكي ينفرد بمنعرجات القصيدة وذبذبات القول المنتسب إلى الخلود”
وتحدث عن عزفه مادحا، “ننتشي بصمت الكمنجات المرافقة، حين يتبوأ بنيحيى وحيدا قمة الانتشاء بعزفٍ آيةً في الدقة والجمال. هي نشوة مستحقة. فهو استطاع بخفة ورقة ودقة نادرة، وفي لحظات لا تشبه اللحظات، ترجمة ما كتبه شاعرنا المبدع عبد الرفيع اجواهري أطال الله عمره، ولحنه الشامخ الراحل عبد السلام عامر محبةً في الوطن”.
وتساءل الوديع، “الوطن…كيف أفلت رجل في قامة بنيحيى لأعين من يتبوؤون مقام القرار الثقافي والفني في هذا الوطن منذ سنوات وسنوات، كيف لم يُلتفت إليه حتى انتهى إلى رحيل صامت حزين، كيف لم تفرش له الورود في ممشى إبداعه المتألق، كيف لم يصبح خيطا في نسيج راية بلادنا بين الأوطان، كيف لم يُسنَد ظهرُه بجدار الطمأنينة والعناية كما تفعل الأوطان بأبنائها من العباقرة”.
وطالبهم قائلا، “عودوا إلى الأشرطة المتوفرة للفنان أحمد بنيحيى وستجدون هرما من أهرامات بلادنا، ستجدون دفق أبي رقراق وشموخ الأطلس وأركان الجنوب ورمل الصحراء المعطاء وغلال الشاوية الغزيرة”.
وتساءل الوديع أيضا هذه المرة بلسان الراحل، “كأني بروح سي أحمد تساءل كل صاحب قرار ثقافي وفني اليوم، وطنيا وجهويا وإقليميا: كيف تتركون القامات الفنية السامقة لبلادنا تنزوي في ظلال النسيان”.
ودعاهم كاتبا، “لا تتركوهم يرحلون في صمت وفاقة وعناء، لا تقرأوا ترفعهم عن الوقوف على الأبواب كعلامة على رغد العيش بل اقرأوها رسالة تشبث بكرامة الفنان الذي لا يمد يدا صاغرةً أبدا…”.
وأضاف “وحين يرحلون يتركون أسرا تشكو من ضيق ذات اليد، حيث يؤدون كلهم ضريبة أخرى هي ضريبة الإهمال المبرمج..لا تتركوا فنانينا وعازفينا، خاصة العصاميين منهم، نهبا للفاقة والتهميش والانتظار”.
وختم نعيه قائلا، “أما أنت سي أحمد، أيها الفنان السامق، فسوف تبقى في القلوب ما دام هناك وتر يصدح بالحب والإبداع والعطاء”.
