مسلم.. حين يعود “الزعيم” ليُذكّر الجميع بمن هو الأب الروحي للراب المغربي
مسلم.. حين يعود “الزعيم” ليُذكّر الجميع بمن هو الأب الروحي للراب المغربي
انفو طنجة : محمد اليطفتي
في مشهد موسيقي متقلب، تطغى فيه الموجة على العمق، وتختلط فيه الأصوات بين المقلّد والمُكرِّر، جاء فنان الراب الطنجاوي مسلم ليكسر الجمود ويعيد عقارب الساعة إلى زمن الأصالة، بأغنيته الجديدة “خمري”، التي أطلقها قبل أربعة أيام فقط، محققة أكثر من 1.5 مليون مشاهدة على يوتيوب، في ظرف قياسي، ومُعلنةً عن عودة قوية للراب المغربي إلى جذوره النقية.
العودة إلى المدرسة القديمة
منذ الثواني الأولى، يُدرك المستمع أن “خمري” ليست مجرد أغنية؛ بل هي بيان فني، ونداء عودة للمدرسة الأصلية التي ساهم مسلم في بنائها. بأسلوبه المعتاد، يجمع بين الحدة في الإلقاء والدقة في المعنى، حافرًا كلماته في وعي المستمع، وكأنه يقول: “أنا هنا، ولم أذهب قط”.
خمري.. عنوان مجازي يحمل أكثر من خمرة
كلمات الأغنية تفيض بالإيحاءات المجازية والرموز، بدءًا من العنوان نفسه “خمري”، الذي لا يُقصد به الخمر الحسي، بل تلك “النشوة الفنية” التي يُحدثها الإبداع في النفس، ويُسكر بها العقول الباحثة عن الحقيقة في زمن الزيف. حين يقول مسلم:
> “ما يفنى فني إذا فنى عمري، سول كاع اللي ذاقو خمري”
فهو لا يمجّد المحرَّم، بل يعلن خلود الإبداع حين يُصنع بإخلاص.
بين الإبداع والجدل.. من يفهم الراب؟
انتقادات متعددة طالت الأغنية، خصوصًا عند قول مسلم:
> “موسيقتي تمزك الملائكة و حتى الشياطين”
وهو تعبير مجازي صرف، لا علاقة له بالتطاول على المقدسات، بقدر ما هو وصف لحجم التأثير العاطفي والروحي الذي تُحدثه الموسيقى الحقيقية، حين تكون صادقة.
لكن، في زمن أصبح فيه الفهم السطحي سيّد الموقف، لم يكن مستغربًا أن يُساء تأويل هذا التعبير. والحق أن مسلم لم يتجاوز حدود الأدب، بل وظّف لغة القوافي في الراب بحنكة، مجسدًا تقاليد هذا الفن العالمي، الذي لا يُفهم دون فهم خلفياته الثقافية والإبداعية.
الراب الحقيقي لا يُهادن
في “خمري”، يقدّم مسلم نفسه كما عرفه جمهوره الحقيقي: ناقدًا لاذعًا، وصوتًا ضد النفاق الفني.
يقول:
“شحال من واحد زرّف راسو بغا يدخل فطريقي
ملي شافني حداه فالزنقة ولى غير متملقي”
وهي إشارة واضحة إلى تهافت بعض الأسماء الجديدة على الشهرة، دون امتلاك أساسات هذا الفن العريق. مسلم لا يُهاجم الأشخاص، بل يهاجم ظاهرة، ويطالب بالعودة إلى الجذور، حيث تُصنع الأغاني برسائل، لا بمجرد إيقاعات استهلاكية.
الزعامة ليست صدفة
لم يكن إنجاز 1.5 مليون مشاهدة في أربعة أيام سوى تتويج طبيعي لمسيرة فنية طويلة، بدأها مسلم منذ عقود..زعامة مسلم ليست ورقية ولا رقمية، بل هي ناتجة عن رصيد حافل من الصدق، النضال، والوفاء لفن الراب الأصيل.
في الختام..
الجدل لا يصنع القيمة، لكن القيمة الحقيقية تخلق الجدل. مسلم، عبر “خمري”، لم يرد أن يُرضي الجميع، بل أراد أن يكون صادقًا مع فنه، ومع جمهوره، ومع نفسه.
وفي زمن غابت فيه الأصالة، من حقنا أن نفرح بعودة فنان للمدرسة القديمة حيث قرر أن يعزف منفردًا، لا تهمه ضوضاء المنتقدين، لأنه يعرف جيدًا أن الصوت القوي لا يحتاج لتبرير، بل فقط لسماعه.
