في زمن “الفراقشية”.. الدفوف يكشف كواليس لجنة برلمانية للتحقيق في غلاء الخضر والفواكه

من الأسواق إلى المجازر.. لجنة استطلاعية ترصد اختلالات في مسالك التوزيع وتخرج بـ100 توصية

في سياق الجدل المتواصل حول ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وما يرافقه من نقاش سياسي حول مسؤولية الحكومة والمتدخلين في سلاسل الإنتاج والتوزيع، كشف عادل الدفوف، البرلماني عن مدينة طنجة ورئيس اللجنة الاستطلاعية البرلمانية التي كلفت بالبحث في أسباب ارتفاع أسعار الخضر والفواكه، عن تفاصيل مثيرة رافقت عمل اللجنة، التي انتقلت ميدانيا إلى عدد من الأسواق للوقوف على واقع الأسعار ومسالك وصول المنتجات إلى المستهلك.

وقال الدفوف إن الهدف من المهمة الاستطلاعية لم يكن فقط الوقوف عند مستوى الأسعار، وإنما محاولة فهم الأسباب الكامنة وراء ظاهرة ارتفاع بعض المواد واستمرارها في مستويات مرتفعة، مشيرا إلى أن اللجنة لاحظت وجود إشكال أوسع يتمثل في كون أسعار بعض المواد، مثل البنزين واللحوم، ترتفع بسرعة عندما تتغير السوق، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عندما تتراجع الأسعار.

وأوضح أن فكرة اللجنة ليست وليدة الظرف الحالي، مستحضرا تجربة سابقة تعود إلى رمضان سنة 2022، عندما سجلت أسعار الطماطم ارتفاعا كبيرا، ما دفع الحكومة آنذاك إلى توقيف تصديرها لفترة بهدف تعزيز تموين السوق الوطنية.

وأكد الدفوف أن اللجنة الحالية ضمت برلمانيين من أحزاب الأغلبية والمعارضة، واصفا أجواء اشتغالها بأنها كانت “ممتازة”، رغم الصعوبات التي واجهتها خلال عملها. وأضاف أن اللجنة تمكنت، رغم مختلف التعثرات، من الخروج بحوالي 100 توصية، معتبرا أن تقريرها كان من بين التقارير القليلة التي تمت مناقشتها خلال الولاية التشريعية الحالية، وهو ما اعتبره ثمرة للجهد الذي بذلته اللجنة.

من “مارشي كريو” إلى المجزرة.. بداية العمل فجرا

ومن بين أبرز الوقائع التي استحضرها رئيس اللجنة، الزيارة التي قامت بها إلى سوق “مارشي كريو” بالدار البيضاء. وقال الدفوف إن أعضاء اللجنة اضطروا إلى بدء مهمتهم في حدود الثالثة صباحا، باعتبار أن نشاط السوق يبدأ في وقت مبكر، قبل أن يواصلوا عملهم إلى حدود السادسة صباحا ويتوجهوا نحو المجزرة.

وأضاف أن أحد أعضاء اللجنة، وهو برلماني من المنطقة، أخبره أثناء الطريق بأن هناك معلومات تفيد بإمكانية منع اللجنة من دخول المجزرة، وهو ما حدث بالفعل، حسب روايته، رغم وصول أعضاء اللجنة في سيارات تابعة للبرلمان.

وأشار الدفوف إلى أن المنع تم، وفق تصريحاته، من طرف حارس أمن خاص، مضيفا أن اتصالات جرت بعمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي، غير أن اللجنة، حسب روايته، لم تتلق التجاوب المطلوب في حينه. وقال إن أعضاءها اكتشفوا لاحقا، وفق ما بلغهم، أن العمدة كانت على علم بالموضوع وأنه تم توجيه تعليمات بمنعهم من الدخول.

وفي لهجة حادة، تساءل الدفوف عن دوافع هذا المنع، قائلا إن البعض “ربما يخافون على الفراقشية”، وربما لا تكون هناك مصلحة، حسب تعبيره، في انخفاض أسعار اللحوم.

“هذا عار وعيب”.. غضب داخل اللجنة

وبعد عودتهم إلى البرلمان، قررت اللجنة، وفق الدفوف، تعليق أشغالها إلى حين الحصول على توضيحات بشأن ما وقع والوقوف على ملابسات منعها من أداء مهمتها.

وقال إن الواقعة أثارت استنكار أعضاء اللجنة خلال اجتماع عقد لهذا الغرض، واصفا ما حدث بأنه “عار وعيب”، خصوصا أن الأمر يتعلق بلجنة برلمانية مكلفة بمهمة رسمية للبحث والاستقصاء.

وكشف الدفوف أن اللجنة واجهت أيضا تساؤلات حول توقيت الزيارة، وهو ما اعتبره غير مبرر، مؤكدا أن رئيس اللجنة وأعضاءها هم من يحددون ظروف وتوقيت العمل الميداني، خصوصا أنهم كانوا يدركون أن السوق يبدأ نشاطه في ساعات مبكرة.

وقال إنه وصل في مرحلة معينة إلى التفكير في الانسحاب وطرح إمكانية حل اللجنة، قبل أن تستأنف عملها وتواصل مهمتها التي انتهت، رغم الصعوبات، بإعداد تقرير تضمن حوالي 100 توصية.

من 7 دراهم إلى 11 درهما.. أين تضيع الأسعار؟

ولعل أبرز الخلاصات التي سجلها أعضاء اللجنة، حسب الدفوف، تتعلق بمسالك توزيع المنتجات والهوامش التي تضاف إلى الأسعار بين المنتج والسوق وصولا إلى المستهلك.

وأوضح أن اللجنة، خلال زياراتها لعدد من الأسواق، وقفت على المشاكل نفسها التي يشتكي منها المواطنون، وعلى رأسها ظاهرة الوسطاء والمضاربين، مبرزا مثالا قال إنه تم رصده خلال عمل اللجنة: “سلعة تكون على متن الشاحنة بثمن 7 دراهم، وبمجرد أن تنزل إلى الأرض تصبح بـ9 دراهم، وعندما تدخل إلى السوق تصل إلى 11 درهما”.

وأكد الدفوف أن هذه المعطيات تم تضمينها في التقرير الذي أعدته اللجنة، باعتبارها مؤشرات على وجود اختلالات في مسالك التوزيع تحتاج إلى معالجة حقيقية.

100 توصية.. هل تكفي لمعالجة “معادلة الغلاء”؟

ويرى رئيس اللجنة الاستطلاعية أن الحلول لم تكن غائبة عن التقرير، معتبرا أن التوصيات المائة التي خلصت إليها اللجنة تتضمن مقترحات لمعالجة مختلف الاختلالات التي تم رصدها ميدانيا.

غير أن السؤال الذي يظل مطروحا، في ظل استمرار شكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار، هو مدى قدرة هذه التوصيات على الانتقال من رفوف البرلمان إلى أرض الواقع، خصوصا أن معالجة الغلاء لا ترتبط فقط بالأسعار النهائية، وإنما بمختلف حلقات السلسلة، من الإنتاج والنقل والتخزين إلى أسواق الجملة والتوزيع.

وبينما تتواصل الانتقادات بشأن ارتفاع كلفة المعيشة، تضع تصريحات عادل الدفوف قضية “الفراقشية” والوسطاء ومسالك توزيع المواد الغذائية في قلب النقاش، وتعيد طرح سؤال قديم متجدد: إذا كانت الأسعار ترتفع بسرعة عندما ترتفع كلفة الإنتاج، فلماذا تتأخر في الانخفاض عندما تتراجع كلفة السوق؟.

Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ أكثر