حديث الأسبوع: طنجة.. انتخابات الصناديق أم صناديق الشبهات؟
حقيبة أوراق انتخابية، مكتب مغلق، بحث قضائي، ونسبة مشاركة لا تتجاوز 25.51 في المائة.. أي صورة نريد أن نقدمها عن ديمقراطيتنا؟
ما حدث يوم الاقتراع في مدرسة القدس بطنجة ليس تفصيلا انتخابيا عابرا، ولا مجرد مشهد يمكن دفنه تحت ركام النتائج والأرقام. فحين تتحول إحدى مكاتب التصويت إلى بؤرة احتجاج، ويوقف شخص للاشتباه في حيازته أوراقا انتخابية غير قانونية، وتغلق السلطات مكتب التصويت رقم 84، ثم تفتح النيابة العامة بحثا قضائيا للتحقق من ملابسات ما جرى، فإن الأمر يصبح أكبر من مجرد خلاف بين ممثلي الأحزاب.
المعطيات المتداولة تحدثت عن حقيبتين تضمان أوراقا انتخابية، فيما أظهرت مقاطع مصورة مشاهد أثارت تساؤلات حول ما جرى داخل المكتب. وفي الوقت الذي انتشرت فيه الروايات والاتهامات على مواقع التواصل الاجتماعي، كان الموقف الرسمي أكثر تحفظا، إذ أعلنت النيابة العامة فتح بحث قضائي لتحديد حقيقة الوقائع وترتيب الآثار القانونية على ضوء نتائجه.
وهنا بالضبط يجب أن نتوقف.
لا أحد يملك حق إصدار الحكم قبل القضاء، لكن لا أحد يملك أيضاً حق مطالبة الناس بالصمت أمام مشهد يثير كل هذه الأسئلة.
من أين جاءت الأوراق؟ ولماذا كانت بحوزة شخص داخل محيط مكتب التصويت؟ وما طبيعتها؟ وهل كانت فعلا معدة لاستعمال غير قانوني أم أن الأمر يتعلق بتأويل آخر؟ ومن يتحمل المسؤولية عن كل ما جرى؟
هذه ليست أسئلة صحفية للفرجة، وإنما أسئلة ضرورية لاستعادة الثقة.
والأخطر من الواقعة نفسها أن صورها ومقاطعها خرجت من مدرسة القدس إلى فضاء أوسع بكثير، وتناقلتها وسائل إعلام ومنصات متعددة. وهكذا أصبحت طنجة، ولو مؤقتا، عنوانا لمشهد انتخابي لا يليق بمدينة كبيرة ولا بصورة بلد يستعد لاستحقاقات دولية كبرى.
المشكلة ليست في أن تقع واقعة انتخابية مشبوهة؛ المشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا نجد لها جوابا مقنعا وواضحا.
لكن “مهازل” يوم الاقتراع لا تقف عند حقيبة الأوراق.
هناك مهازل أكثر هدوءا، لكنها ربما أخطر على المدى البعيد: العزوف.
في دائرة طنجة-أصيلة، لم تتجاوز نسبة المشاركة، وفق المعطيات المعلنة، 25.51 في المائة. وهذا يعني أن صناديق الاقتراع لم تستقطب سوى أقلية من المسجلين. هنا تكمن المفارقة الكبرى.
شباب يحتجون في الشوارع، ويعبرون عن غضبهم من أوضاع اجتماعية واقتصادية، ويملأون مواقع التواصل بالنقد والاحتجاج، لكن جزءا منهم لا يرى أن بطاقة التصويت يمكن أن تكون إحدى وسائل التعبير عن هذا الغضب واختيار البديل.
طبعا، المشاركة أو المقاطعة قرار شخصي وسياسي، ولا يجوز اختزال كل أسباب العزوف في الشباب وحدهم. لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن من ينسحب من صناديق الاقتراع يترك للآخرين مهمة تحديد من سيمثله.
وإذا كان المواطن يشتكي من المال الانتخابي، ومن شراء الأصوات، ومن استغلال الفقر والحاجة، ومن الوجوه التي تعود في كل موسم انتخابي، فإن تغيير هذه المعادلة يحتاج أيضا إلى حضور المواطن، ومراقبته، وصوته، ومحاسبته لمن منحه إياه. أما أن نغيب يوم الاقتراع ثم نشتكي في اليوم التالي من النتائج، فهذه معادلة لا تصنع التغيير.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول دعوة المواطنين إلى المشاركة إلى ذريعة لإعفاء الأحزاب والمرشحين والسلطات المكلفة بتنظيم الانتخابات من مسؤولياتهم. النزاهة مسؤولية جماعية، لكن مسؤولية حماية الصندوق تبدأ من ضمان ألا تصل إليه أي ورقة خارج المسار القانوني.
طنجة اليوم تحتاج إلى أجوبة أكثر من حاجتها إلى التبريرات. تحتاج إلى أن يقول التحقيق القضائي كلمته في واقعة مدرسة القدس، وأن يعرف الرأي العام ماذا حدث بالضبط، ومن المسؤول، وهل كانت الواقعة تصرفاً فردياً أم أن التحقيق سيكشف معطيات أخرى. وتحتاج أيضا إلى مراجعة صريحة لعلاقة المواطن بالانتخابات: لماذا عزف أكثر من ثلاثة أرباع المسجلين في دائرة طنجة-أصيلة عن التصويت؟ لماذا فقد جزء من الناس الثقة؟ ولماذا أصبح بعض الشباب يرى الشارع ووسائل التواصل أكثر تأثيراً من صندوق الاقتراع؟ فالانتخابات ليست مجرد يوم نضع فيه ورقة داخل صندوق زجاجي. إنها امتحان للثقة. وحين تصبح الحقيبة داخل مكتب التصويت أكثر إثارة من البرنامج الانتخابي، وحين يصبح فيديو متداول على مواقع التواصل أقوى من خطاب المرشحين، وحين يدخل الناخب إلى العملية الانتخابية وهو يشك مسبقا في نزاهتها، فالمشكلة لم تعد في ورقة انتخابية فقط. المشكلة في الثقة التي يجب أن تحميها كل الأطراف. طنجة لا تحتاج إلى انتخابات بلا أخطاء فقط، بل إلى انتخابات بلا شكوك. والسؤال الذي ينتظر الجميع جوابه الآن بسيط وواضح: من وضع الحقيبة؟ ومن أين جاءت الأوراق؟ وماذا حدث فعلاً داخل مكتب القدس؟
حتى يقول القضاء كلمته، تبقى الأسئلة مشروعة، وتبقى مسؤولية كشف الحقيقة أكبر من أي حساب انتخابي.
طارق بخات
