فن وثقافة…رسالة من ناشر تؤرخ لرفض طبع “مدام بوڤاري” أشهر رواية في تاريخ الأدب الإنساني.
من ماكسيم دو كامپ إلى غوستاڤ فلوبير .
لقد قرأ لوران بيشه روايتك، وبدوري أرفقت لك ملاحظاته عليها. عند قراءتك لها، ستدرك أنني أوافقه الرأي تمامًا، ذلك لأنها الملاحظات ذاتها التي أخبرتك بها قبل مغادرتك پاريس. لقد أرسلت الكتاب إلى لوران دونما تعليق، مع توصية ودية. ثق بأن تشابه أفكارنا لم يحدث بتواطؤ منا. إن النصيحة التي أسداها لك لوران بالغة النفع، وهي النصيحة الوحيدة التي ينبغي لك اتباعها. لنفترض أننا سننشر روايتك؛ لا بد إذن من حذف بعض المقاطع التي نرى حذفها واجبًا. يمكنك الإشراف على نشر كتابك بنفسك، واسترجاع كل ما تراه مناسبًا في ما بعد. برأيي أنك ستُعرض حياتك المهنية بأكملها للخطر، كما سيبدو ظهورك الأول بعمل غامض ومربك لا يمكن لأسلوب الكتابة بمفرده أن يثير الاهتمام الكافي من قبل القارئ. كن شجاعًا! أغلق عينيك، وكن على ثقة، إن لم يكن بموهبتنا فبالخبرة التي اكتسبناها في هذا المجال على الأقل، وكذلك بمحبتنا لك. لقد دفنت روايتك تحت كومة من التفاصيل الدقيقة، لكنها تفاصيل فائضة عن الحاجة؛ إنها تطمس العناصر الأساسية، ولا بد لها نت أن تُحذف، وإنها لمهمة سهلة. ينبغي أن يجري الحذف تحت إشرافنا، وعلى يد شخصٍ على قدرٍ من الحصافة والخبرة. لن تضاف كلمة واحدة على مخطوطتك، بل سيُقلص حجمها. سيكلفك الأمر ما يقارب مئة فرنك ستُخصم من إيصالك المصرفي. حينها ستنشر عملًا جيدًا جدًّا بدلًا من نشرك رواية مليئة بالعيوب والحشو. في اللحظة الراهنة، لا شك أنك تشتمني بكل ما لديك من قوة، بيد أنك تثق بأنني لا أريد سوى مصلحتك من وراء كل هذا.

هذه ليست رسالة رفض، بل هي طلب لإجراء تعديلات، لكنها أثارت غضب فلوبير بحسب ما ورد في كتاب “فلوبير ومدام بو ڤاري: صورة مزدوجة” للكاتب فرانسيس ستيغمولر، الذي خربش كلمة “عملاق!” على ظهر الرسالة ثم أرسل بريدًا مستعجلًا إلى المحرر ماكس، مخبرًا إياه بأنه إذا لم ترغب الدار بنشر روايته كما هي، فلن تُنشر على الإطلاق. وافق المحررون في نهاية المطاف على طلب فلوبير، لكنهم طالبوا بحذف مقطع واحد، بيد أن فلوبير أعاد نشر ذلك المقطع حين صدرت رائعته بصيغة مطبوعة.
