جريدة طنجة – م. الحراق (مسرح سرفانتس )
أسالَ موضوع إصلاح التحفة الفنية المعمارية “مسرح سرفاطيس” بطنجة مدادا كثيرا، وعقدت في الموضوع عدة لقاءات على مستوى عال بوزارة الثقافة بكل من المغرب وإسبانيا، كانت تصب كلها في ضرورة العمل على إصلاح هذه المعلمة التاريخية الثقافية، التي تُـؤرِخ لفَترة من فَتَراتِ ازدِهـار الحيــاة الثقــافية بمدينة البـوغــاز، وكـانت الأخبـــار التي تتناسـل تـارة تحمـل البشرى بقُـرب اصـلاح هذه التحفة، وطَــورًا تحـمل أخبــارًا متَشائمة، ليظل المواطن الطنجاوي في تساؤُل دائم عن مصير هذا المسرح الذي يشكّل جُزاءاً من كَيـانـه يـربط مــاضيهِ بحـــاضرهِ.
قضية بناء وإصلاح مسرح سرفانطيس (التحفة المنسية أو المتناسية) تعرّضَـت على مَـرِّ السِنين لعد إكـراهــات، وفي البداية لنتعرف على صاحب فكرة إنشاء هذا المسرح، الذي لم يكن سوى مانويل بينيا أوريطا (Manuel penia oreta) من مدينة “روطا” بقادس بإسبانيا، الذي هاجرت عائلته كغيرها من العائلات الإسبانية إلى المغرب سنة 1903، مانويل هذا كان يشتغل بحارا في بدية تعاطيع لبيع السمك، بعدها تحول لتجارة (العلق) الذي كان يستخدم لعلاج بعض الأمراض، يستخرجها من آبار بستان (خاردين فرانسيسكو إل السبييانو) وكانت زوجته إيصابيل أورياتا تشتغل رئيسة للصليب الأحمر، و معروف عنها أنها كانت تقوم بأعمال اجتماعية وإحسانية، مما بوأها مكانة اجتماعية رفيعة المستوى بطنجة، وتيمنا بها سمي اسم الشارع الواقع بمسرح سرفانطيس في ذلك الوقت باسمها، إلى حدود سنوات الستينات ليطلق عليه اسم شارع أنوال.
اسبرانصا ومـانويـل كـانــا شــاهدين على نمو مدينة طنجة وهي تحت الحمـاية الدَّولية، في جميع الميادين والمَجــالات، بفعل هجرة العديد من الأجناس، وبشكل كبيرة من الإسبان للعمل والتجارة لدرجة أن اللغة (القشتالية) كانت اللغة الدولية التي يتكلم بها السكان خلال تعاملاتهم، من هذا المنطلق استشعر بعض الإسبان القاطنين بطنجة أن هناك نقص في الميدان الثقافي، جعلهم يفكرون في طريقة لترسيخ البعد الثقافي الإسباني وتجذير الثقافة الإسبانية في هذه المدينة، وجعلها تتفوق عن باقي ثقافات الدول الأخرى خلال الحماية الدولية لطنجة، وبالتالي تخدم في نفس الوقت لغة الأم نشر الأدب الإسباني، عن طريق بناء أحد المعالم الثقافية ، ومن هنا جاء التفكير في بناء مسرح، أطلق عليه مسرح سرفانطيس.
ويقول مانويل بينيا في فقرة من فقرات الرسالة التي بعث بها إلى السلطات الإسبانية بمادريد آنذاك، يطلب منها الترخيص له ببناء مسرح سرفانطيس بطنجة فيقول ” … إن لإسبانيا مصالح بطنجة أفرزتها الهجرة السريعة للعديد من الإسبان، بحجة العمل والتجارة لدرجة أن اللغة القشتالية، حاضرة وبقوة في الحياة النشيطة للمدينة، وهي اللغة الدولية التي يتكلم بها السكان، إلا أنه ينقص في هذه المدينة مكان ملائم، حيث يتسنى لمن يعيشون في طنجة، ويكافحون من أجل العثور على ينبوع لثقافة الوطن الأم، يمكن أن يخدم في الوقت ذاته، وسائل لنشر أدبنا باعتباره روح الشعوب، وروح لغتنا، وآصرة الوحدة بين الأنفس، و ما ينقصنا هو مسرح وطني، وإن الموقع أسفله عاشق إسبانيا، ومثلما نحن جميعا الذين ولدوا فيها، لم يترددوا في استثمار جزء مهم من ثروته في بناء بناية رائعة تقع في الناحية الأكثر عصرية ومركزية في المدينة تسع ل 1500 متفرج ..”
وفيما يخص الإكراهات التي واجهت مسرح سرفانطيس هو النقص الحاد الذي واجهت اتمام أشغاله مما اضطر إلى استئجار المسرح بشكل مؤقت، وهو الشيئ الذي ساهم في تدهوره، وفي سنوات الحرب الأهلية (1936 – 1939) كان مسرح سرفانطيس بطنجة مسيرا من طرف السلطات الشرعية الإسبانية التي كان يقودها الجمهوريون، فاستخدم المسرح لتقديم عروض ثقافية وسياسية وفنية، وما بين (1940 و 1945)، شهد المسرح إصلاحات مهمة، شملت تغيير الواجهة، وإزالة بعض التزيينات التي عفا عنها الزمن، وكذا الفراغات التي لاحاجة فيها وتعويضها بواجهة بسيطة كلاسيكية ذات نزوع إلى الفخامة، و يوليوز من سنة 1952، كتب المفوض السامي الإسباني بطنجة (رافاييل غارثيا فالينو) إلى رئاسة الحكومة رسالة يقول فيها”إن الحالة المزرية التي عليها مسرح سرفانطيس تجعل ضروريا وبأقصى الأحوال، المبادرة إلى إصلاح البناية عموما، شأنها شأن واجهتها، والمنصة والقاعة، والدهاليز، والمداخل، والمراحيض والديكور والأثاث”.
ولم يجري إصلاح عام لمسرح سرفانتيس في ذلك الوقت نظرا لتكلفته الباهضة، وقد تكلف سنة 1953 (طورينو كورث هيريرا) بإصلاح المسرح حيث أدخل عليه إصلاحات طفيفة. …
يُتـبـع