الدكتور عبداللطيف محفوظ.
بعد أن كان حضور مفهوم الهوية أقوى في الدراسات الأكاديمية، صار قبيل بداية الألفية الثالثة موضوعا مركزيا يحظى بالاهتمام من زوايا مختلفة؛ فلسفية واجتماعية ونفسية وتاريخية… وقد خرج بفعل هذا الاهتمام المفرط من الحيز الأكاديمي الرصين، لينتقل إلى المجال الإعلامي والسياسي، فصار من المفاهيم الأكثر رواجا والأكثر استعمالا في إدراك الظواهر الثقافية والعلاقات بين الثقافات والدول والشعوب واللغات، وكان من نتائج ذلك استغلالها من قبل بعض الأطراف في صنع الصراعات أو تأجيجها وضرب التوازنات الثقافية والسياسية في هذه المنطقة أو تلك.
والهوية التي نقصد هنا هي الهوية الثقافية التي هي جزء من هوية الفرد والجماعة وجزء من تصور الذات والآخر والتاريخ، أو هي بتعبير أوجز جواب عن سؤال من أنا ومن نحن؟ وواضح أن الجواب عن هذا السؤال لن يكون موحدا ما دام الأمر يتعلق بمجتمع مفتوح تتاح فيه الفرصة لمختلف الأصوات لتعبر عن رأيها وعن تمثلها لما تريد أن تكون عليه. وهذا ما يستوجب الاتفاق على مجموعة من المشتركات التي لا قيام للهوية بدونها ولا إمكانية للتواصل والعيش المشترك في غيابها.
واللغة هي من بين مكونات الهوية التي تعرف تجاذبات على مستوى النقاش الذي يختلف باختلاف الدول وباختلاف الثقافات، وهو نقاش يكتسب حدة وتطبعه نزوعات لاعقلانية كلما ابتعد عن الموضوعية وعن مراعاة مصالح المجتمع ككل. وإذا كان الأمر كذلك على المستوى الداخلي، فإن اللغات عالميا تتعرض لنوع من المنافسة غير المتكافئة، في ظل عولمة كاسحة تقضي على اللغات الضعيفة وتسير في اتجاه تغليب مكونات الهويات القوية والقضاء على التنوع الثقافي الإيجابي والمتوازن.
لهذه الاعتبارات وغيرها نطرح، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، موضوع اللغة والهوية، وذلك لما لهذه القضية من راهنية، ولما للدور الذي لعبته اللغة العربية تاريخيا في تطوير التراث الإنساني والحفاظ عليه من نجاعة، ولما لها كذلك من أهمية قصوى في المشهد الثقافي المغربي، بوصفها لغة مؤهلة للمنافسة في سوق اللغات.
ستسعى الندوة إلى معالجة كل ذلك بهدف تجاوز الطرح الذي تطغى عليه السرعة والتحيز، والذي لا يمكن أن يتولد عنه إلا المزيد من الاختلال والصراع، في ظل وجود لغات أجنبية لا تستهدف تحقيق مبدأ الانفتاح، بقدر ما ترغب في السطو على وظائف اللغة العربية بشكل مطلق.
وسيكون هذا اللقاء فرصة لتقديم مختلف وجهات النظر حول هذا الموضوع ولطرح أسئلة من قبيل:
ما الوضع الذي تحظى به اللغة واللغة العربية في إطار الهوية؟
ما العلاقة القائمة بين اللغة والهوية؟
ما الآثار التي تحدثها العولمة في ثنائية اللغة والهوية؟
ما حدود الانفتاح على اللغات الأخرى بحيث يظل للغة العربية وضعها الاعتباري الخاص؟
ما العلاقة التي يجب إقامتها بين اللغة العربية وبين اللغات الأخرى للحفاظ على التنوع والوحدة معا؟
ما التصورات حول هذا الموضوع فلسفيا ولسانيا وجيوسياسيا وأدبيا…؟
الندوة ينظمها “مختبر السيميائيات وتحليل الخطابات الأدبية والفنية”.