أوراش تشكيلية
عزيز أزغاي
فنّان عرف كلّ شيء ثم نسيه
*قلتَ مرة: “لكي يكون للمغرب فنانون كبار يحتاج – في المقابل – إلى متلقين كبار كذلك”. هل نعيش أيضاً أزمة تلقٍ للفن؟
- صحيح. نحن في حاجة متواصلة إلى متلق نبيه وفطن، بل ومتواطئ؛ بما يعنيه كل ذلك من انخراط واع وفعلي في قراءة وتأويل الأعمال وتنويع مقاصدها. بهذا المعنى وحده نستطيع أن نضمن لهذه الأعمال الفنية حياة حقيقية وممتدة في الزمن. فما يقتل أي إنتاج فني، على اختلاف الأنواع الإبداعية، هو بقاؤها في حدود جغرافية تَمَثُّلٍ محدودة، هي مجال تحرك المبدع نفسه وتصوراته. فيما المطلوب سفرها إلى أبعد نقطة من أراضي التأويل. أتذكر هنا عبارة الباحث السيميائي المغربي سعيد بنكراد التي ذهبت إلى اعتبار “العين أَمَّارة بالتأويل”. ثم أليس تاريخ الإنسان هو تاريخ العين بامتياز؟
صحيح أن مسألة تلقي الفن، على الأقل في المغرب، مازالت تطرح عدداً من الصعوبات الثقافية. لعل أهمها، في تقديرنا، علاقتنا التاريخية بالفن الحديث، وهي علاقة لا تتعدى نصف قرن من الزمن أو يزيد بقليل. هذه الهوة التاريخية لم تستطع المدرسة المغربية ردمها، وإنما قامت بتعميقها، من خلال إمعانها في تصنيف التربية الفنية والموسيقية والمسرحية، والبصرية عموماً، باعتبارها أنشطة تكميلية أو موازية لا تستدعي أن يخصَّص لها حيز معتبر في خريطة مناهجنا التعليمية. وهذه كارثة حقيقية. والنتيجة أن وعينا البصري مازال، حتى بالنسبة إلى نخبة المجتمع المثقفة، يستمد كثيراً من مفرداته وآليات استقباله وتلقيه للوحة والمنحوتة الفنيتين، بأدوات قراءة النص المكتوب نفسها، إن في تفسيرها أو تأويلها. والحال أن سؤال المعنى في مجال التشكيل لا يحظى بالأهمية ولا القيمة ولا الضرورة نفسها التي يحوزها في بقية الأنواع الأدبية الكتابية.
وأتذكر، في هذا السياق، ما سبق للفنان المغربي الراحل محمد القاسمي أن عبر عنه في أحد حواراته، بخصوص تلقي الفن، حيث يقول: “حين يطرح علي – أو على كثير من المبدعين العرب – سؤال عن معنى هذه اللوحة أو تلك أو ما أريد قوله من خلال صورة أو حركة خط… إلخ أتأكد أن المثقف العربي لا يعثر على متعته إلا داخل الكلام. وأقول بصراحة إنني أخجل أحياناً حينما أسمع كلام بعض المثقفين عن الفن. فكيف لأستاذ متمكن من اللغة وتاريخ الأفكار أن تكون حاسته مبتورة بهذا الشكل.
- أجرى الحوار الشاعر عبدالرحيم الخصار.