لم يعد خافيا على أحد الوضع الرديء الذي تمر به المنظومة الأخلاقية للمجتمع، نتيجة تطور تكنولوجي أرخى بنظرياته الخاطئة والفاسدة على المجتمعات.
هي مساحة واسعة من الحرية ومجال مفتوح لمتابعة التفاصيل، هي ما أتاحته الوسائل الإعلامية المتعارف عليها، فهذه الأخيرة لم تعد تراعي في المتلقي شعوره وإحساسه، إذ تم ضرب المنظومة الأخلاقية لمجتمع لم يعد يخجل من عرض الفضائح بسهولة وبضغطة زر.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعض قنوات اليوتيوب وبعض الصفحات الفيسبوكية تنشر كل غسيل فاسد وتعرضه على المجتمع والأسر، بدون رقيب ولا حسيب وكأن شعارها في ذلك الرداءة وضرب الأخلاق والقيم المجتمعية، فحيثما وليت وجهك، تجد الرداءة والفساد والانحطاط الخلقي، باسم الحرية والتقدم الحضاري.
عبر أروقة العصور والأزمنة، وضع الفلاسفة ضوابط وأسُس للقيم الأخلاقية، بمقتضاها تم تأسيس تعاريف مختلفة للأخلاق وأغلب هذه المفاهيم تتمركز حول مرتكز واحد يتمثل في كونه عبارة عن مجموعة من القواعد والعادات السلوكية، التي يعتنقها ويؤمن بها مجتمع معين، فتغدو مُلزمةً لسلوك أفراده ومنظِّمة لعلاقات الإنسان بأخيه الإنسان، تختلفُ هذه السلوكيات من عصر لآخر ومن مجتمع لآخر، فمفهوم الأخلاق فلسفيا يتموضع ضمن زاوية الخير والشر والقيم المُثلى التي تسعى إلى التحليق بالإنسان والارتقاء به من فُحشِ مركز محيط السلوك الغريزي إلى سُمُو الإشعاع الشبه خالٍ مما يجذبه إلى الأرض، متجاوزا بمحض إرادته الحرة الانغماس في موجة ثقافية جديدة ترفض كل ما هو أخلاقي.
لقد بدأ ومنذ عقود خلت؛ فكر الإنسانية يتحول باسم الحضارة وباسم حقوق الإنسان والحرية لأبشع صورة في المشهد الاجتماعي والأخلاقي سواء في المحيط الإقليمي أو العالمي، بحيث أن كل ما كان غير أخلاقي وعار بالأمس، أضحى بقوة كواليس قاهرة في عصرنا هذا تقدميا وحضاريا، بل الأكثر من ذلك أمسى يستحق الثناء والتنويه، فتقييم القيم قد تحول فُجائياً، إذ أن الفضيلة كمرتكز أخلاقي ضمن قواعد منظومة الأمس تحولت إلى خطيئة وهذه الأخيرة في عرف المجتمعات السابقة استنسخت على شكل فضيلة.
إن المفهوم الجديد للثقافة العصرية كمنهج مبتكر، اعتمد ضمن تنزيله على أرض الواقع بواسطة آليات ثقافية واجتماعية واقتصادية، تم تبني قواعدها من طرف دول ومؤسسات وتكتلات اقتصادية وإقليمية تتمحور حول صيغة، ذات منزلق ومنحى خطير يتم بمقتضاها رفض كل ما هو أخلاقي.
إن البقاء متحفّزًا ضمن قواعد المرافئ الأخلاقية يمكن اعتباره أحد أهمّ العوامل لبلوغ النجاح في شتى القطاعات، اجتماعية كانت أو اقتصادية أو ضمن بوتقة حياتك الشخصية والمهنية، فالأخلاق مكوّن ضروري لا مَناص منه لبلوغ الغايات والأهداف المخطط لها وفي نفس السياق تضمن لك الحفاظ على أدائك المتمّيز داخل المجتمع؛ بل تزداد أهمّيتها خلال المواقف الصعبة والحرجة، فالأخلاق تضمن لك صيرورة استمرارية ممتازة لعزيمتك، خاصة إبان فترات اليأس والإحباط، على إثرها ستمتلك القدرة والقوّة الكافيتين لإعادة شحن طاقتك جسديًا وروحيًا.
الثقافة الجديدة المبنية على إنكار القواعد الأخلاقية تسعى ضمن زوايا منظومتها إلى حَرقِ بخورها ضمن زوايا مِحراب المال والعولمة الجديدة، فضلا عن سعيها الجاد إلى استبدال كل زوايا الثقافة الأخلاقية كموروث حضاري عند العديد من الشعوب، بأخرى هي عبارة عن أنابيب تصريف المجاري التي لا تستحق أن يقاتل المرء في سبيلها، والأخطر من ذلك هو أن الثورة الثقافية الجديدة بدأت في غَرزِ معاول هدمها في كل القطاعات كما أنها شرعت في عملية تسميم الإطار السياسي والتشريعي عند مجموعة من الدول، خاصة منها تلك التي تعرف بحبوحة الرَّفاه الاقتصادي والمالي.
وللإشارة، فإن المستقبل على المستوى الأخلاقي سيكون أكثر وحشية وسوء ا وتفككاً، مما عليه منظومة المنتظم الدولي حاليا. يبدو جليا أن تدبير الشؤون العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى المنتظم الدولي وكذا عند الانخراط في صفوف التكتلات الاقتصادية والاجتماعية الدولية، مستقبلا، بدأ يعتمد كَكُحلٍ لعينيه مبدأ اللذة وهو الشعار الجديد لضمان الاستمرارية في الحياة، لكن هذا الشعار يدخل ضمن العبثية والرداءة التي مآلها الفشل الذريع وثمارها المبكرة ستكون سامة لا محالة، لكن مصير نهايتها سيكون ولو بعد حين إلى الاُفول القطعي.
وللإشارة، فإن الله سبحانه وتعالى أوصى موسى عليه السلام بما يلي: إنا الله ربك فلا ينبغي أن تتخذ آلهة من دوني وآلهة هذا الزمان تتجلى في المال والسلطة واللذة، لكن إرادة الله أقوى، اعتبارا لكون أن الأرض سيرثها عباد الله الصالحون.