مرشان معالم وشخصيات .. إصدار جديد للمهندس الطنجي إبراهيم العمراني.

مرشان معالم وشخصيات .. إصدار جديد للمهندس الطنجي إبراهيم العمراني.

 

أنفو طنجة:إبراهيم العمراني

 

صدر مؤخرًا عن دار كتوبيا بالإسكندرية (يناير 2025) كتاب مفيد في موضوعه يحمل عنوان “مرشان: رحلة عبر الزمان والمكان”، من تأليف المهندس المدني إبراهيم بن حسن العمراني، والكاتب فاعل جمعوي مهتم بتراث مدينة طنجة وتاريخها. يتألف الكتاب من 174 صفحة من الحجم الصغير، ويُعد أول عمل توثيقي يصدر للعمراني في هذا المجال، رغم انخراطه الطويل في العمل الثقافي والجمعوي بالمدينة.

 

يمثل هذا الإصدار خطوة جديدة في مسار متواصل من المبادرات التي تهدف إلى إبراز تراث طنجة والدفاع عنه، سواء عبر إسهاماته في تأسيس جمعيات ومنتديات تُعنى بالتراث المحلي، أو من خلال إنتاجه لأغنيتين عن المدينة، ونشاطه الملحوظ على مواقع التواصل الاجتماعي. كل هذه الجهود تنبع من شغف أصيل بمدينة تتقاطع فيها الأزمنة وتتداخل فيها الثقافات.

 

يشير العمراني في مقدمة الكتاب إلى أن الدافع الأصلي وراء هذا العمل لم يكن التخطيط لتأليف كتاب، بل كان مجرد رغبة شخصية في تتبع أصل تسمية منطقة “مرشان” التي تعتبر المنطقة التي ولد وترعرع فيها. غير أن هذا الفضول الأولي سرعان ما قاده إلى اكتشاف رقعة جغرافية استثنائية، يفوح منها عبق التاريخ، وتزخر بمعطيات مادية ورمزية كان لا بد من توثيقها مساهمة منه في الحفاظ على ذاكرة المكان. وهكذا، جاءت هذه “الرحلة عبر الزمان والمكان” كتجسيد لوعي الكاتب بأهمية تسجيل ملامح التراث المادي واللامادي قبل أن تبتلعها دورة النسيان أو التحديث غير الرشيد.

 

يحمل الكتاب بين صفحاته سردًا توثيقيًا مشحونًا بالشغف، يتتبع خلاله الكاتب تطور مرشان عبر الحقب الزمنية، وينسج من التفاصيل الصغيرة قصةً لمكان ظل حاضرًا في وجدان الطنجاويين، لكنه ظل غائبًا عن الكتابات الكبرى. وفي هذا السياق، لا ينفصل عمل العمراني عن موجة حديثة من الإنتاجات المحلية التي تسعى إلى “استعادة المدينة من جديد”، انطلاقًا من الزوايا المهمشة والهويات الصغرى.

 

يتجلى في أسلوب الكاتب تعدد الوسائط؛ فالعمراني لا ينفصل عن مجاله الهندسي، ولا عن حسه الفني، بل يوظف أدوات متنوعة لإيصال رسالته، من الكتابة إلى الأغنية، ومن الصورة إلى الفعل الميداني.

 

و افتتح العمراني كتابه بعنوان “مرشان وإشكالية أصل التسمية”، حاول فيه عرض الأقوال التاريخية لمجموعة من المؤرخين الذين تناولوا الموضوع مع اختلاف بعضهم دون ترجيح كفة عن أخرى لعدم وجود حجة كافية لحسم الموضوع وهو ما جعل العمراني يختار كلمة ” إشكالية” ليضعها في بداية عنوان المحور.

 

كما تطرق الكاتب في العنوان التالي إلى تفكيك تطور وظيفة فضاء مرشان، من خلال ربط هذا التحول العميق بسياقه العام، سواء على المستوى السياسي أو العمراني أو الرمزي، مستعرضًا بذلك كيف شكّلت هذه التحولات المتعاقبة ملامح هذا الفضاء الحيوي في قلب مدينة طنجة. وقد انطلق في تحليله من المعطيات الأركيولوجية التي تشهد على تواجد الفينيقيين والرومان، والذين تركوا بمرشان إلى حدود اليوم مقابر منحوتة على الصخر، لا تزال شاهدة على عمق الارتباط الحضاري للمكان. ثم انتقل إلى فترات لاحقة عرف فيها الفضاء تحولات بفعل الاحتلالين البرتغالي والإنجليزي، حيث تم توظيفه لأغراض عسكرية واستراتيجية، ومع دخول طنجة مرحلة العصر الحديث، بدأت ملامح جديدة تظهر على فضاء مرشان، سواء من حيث العمران أو من حيث موقعه ضمن التوازنات الرمزية والاجتماعية للمدينة. هكذا، لم يعد مرشان مجرد فضاء جغرافي، بل غدا نقطة تقاطع بين الماضي والحاضر، ومرآة تعكس عمق الذاكرة الطنجية وتحولاتها المستمرة.

 

لم يكتفِ الكاتب إبراهيم العمراني في عمله “مرشان: رحلة عبر الزمان والمكان” برسم ملامح المجال الجغرافي والاجتماعي، بل توسع في التعريف بمجموعة من البنايات التي عرفت بها هضبة مرشان، مبرزًا بذلك التنوع الوظيفي والعمراني الذي ميّز الفضاء.

 

ففي المجال الديني، تناول المؤلف قصة بناء مسجد مرشان الجديد ، المؤسسة الدينية الأولى التي نشأت من إرادة الأهالي، ثم سرد قصة مسجد المطافي، الذي تميز بأصله الإنساني التعايشي مع الجالية اليهودية، وأخيرًا سلط الضوء على الزاوية التليدية، مركز العلم الديني السلفي المعتدل الذي أسسه العالم سيدي عبد الله التليدي.

 

أما على مستوى الوظيفة الطبية، سلط الكاتب الضوء على ثلاث مؤسسات كبرى لعبت أدوارًا صحية وريادية في تاريخ طنجة: المستشفى الإنجليزي كمشروع صحي تبشيري، المستشفى الفرنسي الذي أنشئ كرد فعل سياسي على حادث ديبلوماسي، ومعهد باستور الرائد في محاربة الأمراض الجرثومية.

 

وعلى الصعيد التعليمي، يبرز الكاتب تاريخ تأسيس المدرسة الإسلامية الحرة بزعامة العلامة سيدي عبد الله كنون ، كأول مدرسة محلية، مغربية المبادرة والتمويل، جاءت كردّ عملي على انتشار المدارس الأجنبية خلال فترة الحماية مسلطا الضوء على قصة كفاح و نضال و الدور المثمر الذي لعبته المدرسة في تحصين جيل من الشباب.

 

أما في الجانب السياسي، فقد توقف المؤلف عند معلمة قصر المندوب، الذي شيّد كمقر رسمي لممثل السلطان المغربي بطنجة خلال فترة الإدارة الدولية، مما جعل منه رمزًا من رموز السيادة الوطنية في فضاء دولي متعدد النفوذ.

لم يُغفل إبراهيم العمراني في كتابه الحديث عن الجانب الرياضي الذي شكل جزءًا من حياة مرشان وذاكرتها، حيث خصّ بالذكر ملعب مرشان كواحد من أقدم الملاعب الرياضية بمدينة طنجة.

 

ففي بداية القرن العشرين، كان وطاء مرشان هو الفضاء الوحيد المفتوح أمام الشباب الطنجي لممارسة كرة القدم، مما جعله مهداً لظهور أولى الفرق المحلية مثل فريق مغرب طنجة سنة 1919.

لقد بين الكاتب أن الملعب بعد بنائه لم يكن مجرد ساحة للرياضة، بل كان ملتقى اجتماعيا، حيث تشكلت عبره ملامح أول مجتمع رياضي مدني حديث في طنجة، ضم أبناء المدينة بمختلف انتماءاتهم العرقية. فقد كانت الرياضة آنذاك تعبيرًا عن الذات الجماعية، ووسيلة لإثبات الهوية المحلية في زمن السيطرة الأجنبية والهيمنة الدولية على طنجة.

 

ومع الزمن، وعلى الرغم من بروز ملاعب حديثة مثل ملعب ابن بطوطة، و في ظل هدم ملعب مرشان و ترك بوابته التاريخية التي أصبحت ترمز لذاكرة أهل المدينة، لا كمجرد فضاء رياضي، بل كرمز لبدايات رياضية مشبعة بالحب البريء للمدينة والوطن.

 

إن ملعب مرشان في قراءة العمراني لا يمثل فقط بنية تحتية بسيطة، بل هو ذاكرة رياضية واجتماعية تختصر التحولات الكبرى التي مرت بها طنجة .

 

كما لم يُفوّت إبراهيم العمراني الحديث عن مقهى الحافة، ذاك الفضاء الشعبي الذي تجاوز في شهرته حدود المدينة ليُصبح أحد رموز طنجة العالمية.

يكشف هذا الربط بين البنايات أن هضبة مرشان لم تكن مجرد فضاء سكني أو طبيعي، بل كانت منذ نشأتها فضاءً متكامل الوظائف: دينيًا، طبيًا، تعليميًا وسياسيًا و رياضيا و ترفيهيا. وقد شكّلت هذه الوظائف، مجتمعة، الركائز الأساسية لهوية مرشان ضمن الذاكرة الطنجية .

 

و في عنوان خاص من كتابه مرشان: رحلة عبر الزمان والمكان، اعتمد إبراهيم العمراني على الخريطة الطبوغرافية الإسبانية العائد تاريخها الى سنة 1906 ميلادية كوثيقة تاريخية رسمت معالم هضبة مرشان في بداية القرن العشرين، إذ شرع الكاتب من خلالها في جرد أسماء البيوتات والأسر المالكة التي كانت تقطن الهضبة خلال تلك الفترة.

 

لم يكن الهدف من هذا الاشتغال تحليلًا عمرانيًا أو قراءة للنفوذ الأجنبي، بل كان عملاً توثيقيًا صرفًا، يقوم على:

 

رصد أسماء العائلات التي كانت تملك المنازل أو العقارات المعلمة في الخريطة.

التعريف بتاريخ هذه الأسر، أو أدوارها الاجتماعية والاقتصادية، إن توفرت المعطيات.

ربط البيوتات بالذاكرة المحلية عبر الشخصيات التي سكنت المكان أو أثرت في محيطه.

هكذا، تحولت الخريطة الإسبانية من مجرد وثيقة عسكرية أو تقنية إلى وعاء لذاكرة مرشان السكانية، حيث استطاع العمراني، عبر هذا الجرد، أن يستعيد تاريخ الأسر التي لعبت أدوارًا بارزة في مجتمع مرشان في بداية القرن العشرين، ،و كذلك علاقات الانتماء للمكان من خلال تملك البيوت والاستقرار على الهضبة ،و أخيرا الهوية الاجتماعية التي كانت تميز مرشان قبل موجات التحولات العمرانية الكبرى.

 

ومن خلال هذا الجهد، يظهر العمراني وكأنه يرسم خريطة ثانية موازية، خريطة حية تقوم على البشر لا الحجر، وعلى الحكايات لا مجرد الإحداثيات، في محاولة وفية لحماية الذاكرة المحلية من الاندثار.

 

مرشان وحدودها: قراءة في الامتداد الجغرافي والمجالي

 

في الفصل الثاني من كتابه، ينتقل إبراهيم العمراني من التوثيق الداخلي لمرشان إلى التعريف الموجز بحدودها المجالية.

إذ يشكل هذا الفصل مساهمة مهمة في توطين مرشان داخل الفضاء العام لطنجة، عبر قراءة مكانية دقيقة تعيد رسم المشهد الجغرافي للحيّ من خلال العناصر المجاورة له.

 

شاطئ مرقالة: سؤال الاسم والموقع

 

خصص الكاتب حيّزًا خاصًا لـشاطئ مرقالة، بوصفه واحدًا من أبرز المعالم الجغرافية المرتبطة مباشرة بمرشان.وفي هذا المحور، لم يكتفِ بالوصف الطبوغرافي، بل طرح سؤال أصل التسمية، مستعرضًا نصوصا تاريخية و اجتهادات تقرب القارئ من معنى “مرقالة” دون الحسم فيها تاركا المجال للقارئ لتقييم هذا الاجتهاد.

 

مناطق أخرى محاذية: حسنونة، القصبة، درادب…

 

وسّع العمراني النظر إلى مناطق أخرى تُحيط بمرشان مثل:

 

حسنونة: حيّ ارتبط اسمه بروايات متعددة مع ذكر بعض البنايات المهمة المتواجدة فيه كقصر المولى عبد الحفيظ و مستشفى بنشمول و مسجد الزمزمي .

 

القصبة: باعتبارها امتدادًا تاريخيًا لهوية المدينة، ومعلمًا أثريًا يجاور مرشان من جهة المدينة القديمة.

 

درادب: كامتداد جنوبي شعبي يرمز إلى طنجة البسيطة ذات الطابع التقليدي.

 

وبذلك، يتحول الحديث عن “حدود مرشان” من مجرد تأطير جغرافي إلى قراءة هوياتية عميقة، تُظهر كيف تتشابك المناطق فيما بينها لتصوغ روح المدينة.

 

إن “مرشان: رحلة عبر الزمان والمكان” ليس مجرد كتاب عن حي من أحياء طنجة، بل هو دعوة مفتوحة لإعادة النظر في علاقتنا بالذاكرة، وللاعتراف بقيمة التفاصيل التي تصنع هوية المكان. هو عمل يُجسد كيف يمكن لفضول بسيط أن يتحول إلى مشروع ثقافي متكامل، يُقاوم النسيان، ويمنح المدينة صوتًا جديدًا من داخلها.