سنة التزكيات الصعبة بطنجة.. البيت الحزبي يشتعل من الداخل قبل معركة الخارج.

سنة التزكيات الصعبة بطنجة.. البيت الحزبي يشتعل من الداخل قبل معركة الخارج.

أنفو طنجة: م.ي

لا شك أن السنة التي تسبق الانتخابات التشريعية المقبلة ستكون سنةً فاصلة بامتياز في المشهد السياسي المحلي بطنجة، ليس بسبب انطلاق الحملات المبكرة أو إعادة رسم الخرائط الانتخابية من الخارج، بل لأن المعارك الحقيقية تجري الآن داخل الجدران الصامتة لمقرات الأحزاب، حيث يخوض أبناء التنظيم الواحد صراعات طاحنة للظفر بورقة التزكية.

طنجة، المدينة ذات الوزن الانتخابي الثقيل والرمزية السياسية العالية، تحولت إلى ساحة اختبار داخلي للأحزاب الوطنية الكبرى، وعلى رأسها تلك التي تتوفر على تمثيلية برلمانية أو حضور قوي في المجلس الجماعي والجهوي. هذه السنة لا تُقاس فيها الحسابات بعدد المقاعد بقدر ما تُقاس بميزان التموقع داخل الهياكل، وضمان تمثيل “الاسم المناسب” الذي يملك القدرة على الجمع بين الولاء التنظيمي والامتداد الشعبي.

في العمق، نعيش اليوم لحظة فرز داخلي داخل الأحزاب، لحظة تَصَادُم بين من يعتبرون أنفسهم “أصحاب الشرعية التاريخية”، أي من قضوا سنوات داخل التنظيم، ومن يراهنون على شرعية الحضور الميداني أو النفوذ المالي أو القرب من صانع القرار المركزي. هو صراع أجيال أحياناً، وصراع أجنحة في أغلب الأحيان، وكل طرف يسعى لحشد الدعم والتأثير على لجان التزكية التي غالباً ما تُدار بعيداً عن الأنظار، وفي كثير من الحالات خارج المدينة.

ولعل أخطر ما يطبع هذه المرحلة، هو الغموض الذي يحيط بمواقف الأحزاب من مرشحيها المفترضين، فهناك من القيادات من يُمارس سياسة الصمت المزدوج: ترك الباب مفتوحاً أمام الجميع، في انتظار ما ستُفرزه موازين القوى محلياً، وربما أيضاً في انتظار “التعليمات الفوقية” من المركز. وفي هذا السياق، بدأت تطفو على السطح حالات شدّ وجذب بين مرشحين مفترضين ونواب حاليين، بعضهم يعتبر أن تجديد الثقة مسألة محسومة، وآخرون يرون أن الوقت حان لتغيير الوجوه أو “الاستثمار” في أسماء قادرة على استمالة الكتلة الناخبة في أحياء شعبية أو دوائر قروية.

المفارقة أن بعض الأحزاب، التي ترفع شعار الديمقراطية الداخلية، تجد نفسها عاجزة عن ضبط صراعاتها المحلية، وتضطر إلى تغليب منطق التوازنات بدل الاحتكام إلى معايير موضوعية. ومن نتائج هذا الوضع، بدأنا نُعاين تحركات سرية وعلنية لعدد من الأسماء المعروفة في طنجة، تسعى لتغيير الوجهة الحزبية، في ظاهرة ليست جديدة ولكنها مرشحة للتفاقم هذه السنة. فكل من يتأكد له أن لا مكان له في خريطة التزكيات الحزبية، يبدأ في البحث عن “مظلة بديلة”، حتى وإن كان ذلك على حساب القناعة الأيديولوجية أو الالتزام السياسي السابق.

بل إن بعض الأحزاب أصبحت تعرف “حجّاً انتخابياً مبكراً”، حيث يزورها طامحون جدد من خارج تنظيمها، يعرضون خدماتهم الانتخابية مقابل التزكية، مع ما يرافق ذلك من وعود بالدعم اللوجستي والقدرة على حصد الأصوات. وهذا ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل تحولت الأحزاب إلى وكالات انتخابية؟ وهل أصبحت التزكيات تباع وتُشترى بثمن النفوذ، لا بثقل النضال؟

في ظل هذا المناخ، تبقى مدينة طنجة مرشحة لتعيش واحدة من أكثر الفترات السياسية حساسية منذ سنوات. فالصراع الداخلي قد يؤدي إلى تفكك بعض الأجهزة التنظيمية، أو إلى انشقاقات ستنعكس على نتائج صناديق الاقتراع. كما أن التكتلات الجهوية والقبلية داخل الأحزاب بدأت تتحرك لفرض ممثليها، خصوصاً في محيط طنجة الكبرى، حيث النفوذ لا يُقاس فقط بعدد الأصوات، بل أيضاً بقدرة المرشح على تشكيل تحالفات صلبة قد تمتد إلى ما بعد الانتخابات.

الواقع أن سنة ما قبل الانتخابات، رغم أنها تبدو على السطح سنة هادئة، هي في الحقيقة سنة “الفرز الكبير”، حيث يتم الحسم في أسماء المرشحين قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت. وهي سنة تطبخ فيها الخرائط الحزبية على نار هادئة، وقد لا تنفع فيها المبادئ أو الخطابات، بقدر ما تنفع “الولاءات” وحسن التموضع في المعادلة الداخلية لكل حزب.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام لحظة نضج سياسي ستعيد الأحزاب إلى وظائفها الحقيقية كقنوات تأطير وتمثيل؟ أم أننا أمام موسم جديد من “الترحال السياسي المقنّع”، تُمليه منطق المقاعد لا منطق البرامج؟

الإجابة ستتضح مع نهاية الصيف، حين تبدأ معالم اللوائح في التبلور، لكن ما هو أكيد أن طنجة، كعادتها، لن تمر إلى الاستحقاقات القادمة دون أن تخلّف وراءها الكثير من القصص التي تُروى، وكثير من الحقائق التي لا تُقال.