لم يكن خطاب العرش المجيد في ذكراه السابعة والعشرين مجرد جرد تقليدي للمنجزات أو استعراض عابر للخطط المرحلية، بل جاء بمثابة “وثيقة مذهبية” تؤسس لمرحلة جديدة في مسار المملكة، عنوانها الأبرز: الانتقال الحاسم نحو مفهوم “الدولة الاستراتيجية الشاملة”.
المتأمل في الشفرات السياسية والدفاعية التي بعث بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يدرك أن الخطاب وضع نقاطا حاسمة فوق حروف المرحلة القادمة، موجها رسائل بالغة الدقة إلى جبهتي الداخل السياسي والخارج الإقليمي والدولي.
هندسة الداخل: رفع يد “الزمن الحزبي” عن أوراش الدولة
في شقه السياسي، وجه الخطاب الملكي صفعة قوية لتيارات “العدمية والتبخيس” عبر تشديده على سيادة روح التفاؤل واليقين في قدرات الأمة والمؤسسات. لكن الرسالة الأكثر تشفيرا كانت موجهة إلى النخب والأحزاب السياسية مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، حيث رسم الملك حدودا فاصلة بين “أجندات الأحزاب الظرفية” و”استراتيجيات الدولة العابرة للحكومات”.
لقد بدا واضحا أن مشاريع من قبيل الحماية الاجتماعية، وتوطين صناعات السيارات والطيران، والأمن المائي والغذائي، هي أوراش سيادية غير قابلة للمزايدات الانتخابية أو التوظيف السياسي. ومن هنا، وضع الخطاب “دفتر تحملات” مسبق وشروطا صارمة للائتلاف الحكومي القادم؛ حيث لن يكون مقبولا العودة إلى “نقطة الصفر” بدعوى التداول على السلطة، بل إن الكفاءة والقدرة على “تحصين المكاسب” وإطلاق دورة نمو جديدة هي المعيار الوحيد والفيصل في تقييم نخب الغد.
عقيدة السيادة: من الدفاع الحمائي إلى الندية الدولية
على الصعيد الاستراتيجي والدفاعي، كرس الخطاب تحول المغرب من المفهوم الكلاسيكي لحماية الحدود إلى مفهوم “السيادة الشاملة والمستقلة”. هذا التحول تجسد في الإشادة الملكية القوية بالقوات المسلحة الملكية والأجهزة الأمنية والدرك، والتي تزامنت مع إشارات دالة حول دخول المملكة نادي التصنيع العسكري المحلي وتوطين تكنولوجيا الدفاع والمسيرات. المغرب اليوم يشفر رسالة واضحة: حماية الوحدة الترابية وصون المكتسبات باتت تستند إلى قاعدة صناعية وتكنولوجية ذاتية الصنع.
ولم يقف مفهوم السيادة عند حدود السلاح، بل امتد ليتخذ أبعادا رقمية وسيبرانية بالغة الأهمية. ففي عالم يعيش حروباً هجينة، ألمح الخطاب إلى أن الأمن السيبراني وحماية البنيات التحتية الحيوية والبيانات القومية للمملكة هي ركيزة لا تنفصل عن الأمن القومي العام.
هذه القوة البنيوية، مدعومة بأرقام صادرات صناعية تجاوزت 40% من النسيج الإنتاجي، واكتفاء ذاتي ناهز 80% في قطاعات حيوية كالأدوية والأغذية، منحت المغرب شرعية التحرك الدولي كقوة إقليمية وازنة وموثوقة. ومن هنا جاءت الرسالة الخارجية الأكثر حزما: المغرب يملك اليوم كامل الأهلية والثقة لـ”مساءلة شركائه الدوليين بوضوح”، رافضا المواقف الرمادية أو أنصاف الحلول في قضاياه المصيرية، وطارحا بدائل شراكة متوازنة تقوم على الندية والمصالح المشتركة والواضحة.
إن خطاب العرش للذكرى الـ27 يمثل، بلا شك، إعلانا رسميا عن دخول المغرب مرحلة “القطيعة الذكية” مع التردد السياسي والتبعية الاقتصادية، واضعا الجميع، أحزابا ومؤسسات وشركاء خارجيين، أمام مسؤولياتهم في مغرب لا يعترف سوى بلغة الأرقام، والندية، والسيادة المطلقة.
“جريدة طنجة”