37 مقعدا لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة… “البام” يتقدم والعدالة والتنمية يستعيد حضوره و”الأحرار” يحافظ على مواقع وازنة
أعادت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 رسم جانب مهم من الخريطة السياسية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بعدما أفرزت نتائج أولية ونهائية معلنة إلى حدود 24 شتنبر ملامح برلمان شمالي متعدد الألوان، تراجعت فيه بعض الوجوه والأحزاب، وعادت أخرى إلى الواجهة، فيما حافظت قوى سياسية على حضورها في عدد من الدوائر. وتضم الجهة 37 مقعدا بمجلس النواب، موزعة بين 29 مقعدا في الدوائر المحلية وثمانية مقاعد في الدائرة الجهوية، وتشمل ثماني دوائر هي طنجة-أصيلة، تطوان، شفشاون، الحسيمة، العرائش، وزان، المضيق-الفنيدق والفحص-أنجرة.
وبالموازاة مع إعادة تشكيل الخريطة الحزبية، حمل الاقتراع رسالة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في ضعف المشاركة، خصوصاً في طنجة-أصيلة، حيث لم تتجاوز نسبة التصويت 25.51 في المائة، مقابل 34.44 في المائة على مستوى الجهة، و38.02 في المائة وطنيا.
طنجة-أصيلة.. انقلاب في الخريطة
تبقى دائرة طنجة-أصيلة الأكثر إثارة للاهتمام في نتائج الجهة، ليس فقط بسبب وزنها الانتخابي، وإنما أيضا بالنظر إلى التحول الذي طرأ على تركيبتها البرلمانية.
ففي 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار الدائرة، فيما توزعت المقاعد الخمسة بين الأحرار والاتحاد الدستوري والأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، بينما لم يحصل العدالة والتنمية على أي مقعد.
أما في انتخابات 2026، فقد عاد العدالة والتنمية بقوة إلى المشهد، وحصل على أحد المقاعد الخمسة بواسطة محمد بوزيدان، إلى جانب عبد اللطيف الغلبزوري عن الأصالة والمعاصرة، ومحمد الزموري عن الحركة الشعبية، ومحمد الحمامي عن الاستقلال، وعبد الواحد بولعيش عن التجمع الوطني للأحرار.
وهكذا، فإن أبرز ما يلفت في طنجة ليس فقط أسماء الفائزين، بل تبدل الخريطة نفسها: العدالة والتنمية الذي خرج من دائرة البرلمان في 2021 عاد إليها، والاتحاد الدستوري فقد مقعده، فيما دخلت الحركة الشعبية بقوة، وحافظ الاستقلال والأحرار و”البام” على التمثيلية. وتأتي هذه النتيجة في سياق انتخابي تميز بمشاركة ضعيفة جدا، إذ صوت ربع المسجلين تقريبا في عمالة طنجة-أصيلة.
تطوان.. الأحرار في الصدارة والبيجيدي يعود
في تطوان، جاءت النتائج أكثر توازنا، إذ تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ19.91 في المائة، يليه العدالة والتنمية بـ18.45 في المائة، ثم الأصالة والمعاصرة بـ15.16 في المائة، والحركة الشعبية بـ10.87 في المائة، والاستقلال بـ7.85 في المائة.
وبهذه النتائج، توزعت المقاعد الخمسة بين راشيد الطالبي العلمي، أحمد بوخبزة، العربي أحنين، إبراهيم بنصبيح ومنصف الطوب، كل واحد عن حزبه. كما فقد الاتحاد الاشتراكي مقعده الذي كان يشغله حميد الدراق خلال الولاية السابقة. وتكشف نتيجة تطوان عن استمرار قدرة الأحرار على الاحتفاظ بالصدارة، مقابل عودة قوية للعدالة والتنمية، الذي أصبح رقماً أساسياً في المعادلة الانتخابية بالمدينة.
شفشاون.. استمرار حضور الاستقلال
في دائرة شفشاون، توزعت المقاعد الأربعة بين أحمد امتيوي عن الاستقلال، وعبد الرحمان العمري عن التجمع الوطني للأحرار، وعبد الحفيظ المكوتي عن الأصالة والمعاصرة، والأمين البقالي الطاهري عن الاتحاد الاشتراكي.
وتكتسي شفشاون أهمية خاصة عند مقارنة نتائج 2026 بالسياق الانتخابي السابق، فقد كان الاستقلال قد حقق حضوراً قوياً في انتخابات 2021، بينما بلغت نسبة المشاركة آنذاك 61.29 في المائة بالإقليم، وهي نسبة تفوق بكثير مستويات المشاركة المسجلة في المدن الكبرى خلال اقتراع 2026.
الحسيمة.. أمغار يحافظ على الحضور الاتحادي
أما الحسيمة، فقد حافظ الاتحاد الاشتراكي على مقعده من خلال عبد الحق أمغار، فيما عاد المقعدان الآخران إلى كريم البوطاهري عن الأحرار ومحمد الأعرج عن الحركة الشعبية، بينما فازت لطيفة أعبوت عن الاتحاد الدستوري بالمقعد الرابع.
وتبرز النتيجة استمرار خصوصية الحسيمة داخل الخريطة السياسية للشمال، حيث تتنافس قوى حزبية متعددة على قاعدة انتخابية تتسم بحضور قوي للقضايا المحلية والاجتماعية.
العرائش.. أسماء وازنة وحضور حزبي متنوع
في العرائش، أفرز الاقتراع أربعة مقاعد توزعت بين زينب السيمو عن الأصالة والمعاصرة، ونزار بركة عن الاستقلال، وعبد الخالق بيسينتي عن التقدم والاشتراكية، وعبد العزيز الودكي عن الحركة الشعبية.
ويكتسي فوز نزار بركة أهمية سياسية بالنظر إلى موقعه القيادي داخل حزب الاستقلال، بينما تمكن التقدم والاشتراكية من الاحتفاظ بوجوده البرلماني في إحدى دوائر الجهة.
وزان.. الأحرار والبام والاستقلال
في دائرة وزان، جاءت المقاعد الثلاثة موزعة بين أحمد البواري عن التجمع الوطني للأحرار، والعربي لمحرشي عن الأصالة والمعاصرة، وعبد العزيز لشهب عن الاستقلال. وتعكس هذه النتيجة استمرار التنافس الثلاثي بين أحزاب الأغلبية والمعارضة التقليدية في الدائرة، دون تمكن حزب واحد من الاستحواذ على المقاعد الثلاثة.
المضيق-الفنيدق.. مقعدان بلونين
في دائرة المضيق-الفنيدق، عاد المقعدان إلى العربي المرابط عن الأصالة والمعاصرة وعصام فيراسي عن العدالة والتنمية.
وتكتسي النتيجة أهمية إضافية عند مقارنتها بمشاركة 2021، التي بلغت 40.65 في المائة بالإقليم، بما يبرز حجم التراجع العام في الإقبال على صناديق الاقتراع خلال الاستحقاق الحالي.
الفحص-أنجرة.. مقعدان للأحرار والبام
أما دائرة الفحص-أنجرة، فقد حافظ التجمع الوطني للأحرار على أحد المقعدين بواسطة رضوان النوينو، فيما عاد المقعد الثاني إلى الأصالة والمعاصرة بواسطة عبد السلام الشلاف. وكانت الدائرة قد حظيت بمتابعة خاصة خلال الحملة الانتخابية بالنظر إلى التنافس المحتدم على المقعدين، في منطقة تعرف تحولات اقتصادية وديموغرافية متسارعة بفعل المشاريع الكبرى المرتبطة بطنجة المتوسط والمناطق الصناعية.
ماذا تغير منذ 2021؟
المقارنة بين 2021 و2026 تظهر أن المشهد الانتخابي في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة لم يبق ثابتا.
ففي انتخابات 2021، كان التجمع الوطني للأحرار قد تصدر نتائج اللائحة الجهوية بـ182 ألفاً و419 صوتاً، متبوعاً بالأصالة والمعاصرة بـ129 ألفاً و448 صوتاً، ثم الاستقلال بـ125 ألفاً و281 صوتا. أما في 2026، فقد أظهرت النتائج الجهوية تغيرا في ترتيب القوى، مع تصدر الأصالة والمعاصرة للدائرة الجهوية بـ18.90 في المائة، يليه العدالة والتنمية بـ17.10 في المائة، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ16.70 في المائة، فالاستقلال بـ13.50 في المائة. وهذا التحول يعكس عودة العدالة والتنمية إلى الواجهة بعد تراجعه الكبير في 2021، عندما حصل على 13 مقعدا فقط وطنيا، مقابل 102 للتجمع الوطني للأحرار. وفي 2026 ارتفع رصيد العدالة والتنمية إلى 54 مقعدا، بينما حصل الأحرار على 66 مقعداً. أما الأصالة والمعاصرة فانتقل وطنيا من 87 مقعدا في 2021 إلى 97 في 2026.
37 مقعدا… خريطة متعددة الألوان…الخريطة البرلمانية بالشمال تتوزع بين عشرة أحزاب
أفرزت الانتخابات التشريعية لسنة 2026 خريطة سياسية متعددة الألوان بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بعدما توزعت المقاعد البرلمانية بين عشرة أحزاب، مع تفاوت في حجم الحضور من دائرة إلى أخرى. وسجل حزب الأصالة والمعاصرة أوسع انتشار ترابي بالجهة، بحضور في دوائر طنجة وتطوان وشفشاون والعرائش ووزان والمضيق والفحص-أنجرة، إضافة إلى الدائرة الجهوية. وجاء التجمع الوطني للأحرار في مواقع متقدمة، بحضور في طنجة وتطوان وشفشاون والحسيمة ووزان والفحص-أنجرة، فضلاً عن الدائرة الجهوية، بينما حافظ حزب الاستقلال على حضور وازن في طنجة وتطوان وشفشاون والعرائش ووزان، إلى جانب الدائرة الجهوية. أما الحركة الشعبية، فسجلت حضورها في طنجة وتطوان والحسيمة والعرائش والدائرة الجهوية، في حين تمكن العدالة والتنمية من العودة إلى عدد من دوائر الشمال، خاصة طنجة وتطوان والمضيق-الفنيدق، إضافة إلى الدائرة الجهوية. وسجل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حضوره في شفشاون والحسيمة والدائرة الجهوية، بينما ظهر التقدم والاشتراكية في العرائش والدائرة الجهوية، والاتحاد الدستوري في الحسيمة والدائرة الجهوية.
كما تمكن الديمقراطيون الجدد من دخول الخريطة البرلمانية للجهة عبر الدائرة الجهوية. وتكشف هذه النتائج عن تعدد واضح في التمثيلية السياسية لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، حيث لم تنفرد قوة حزبية واحدة بالمشهد، بل توزعت الحضور بين أحزاب ذات امتداد وطني متفاوت، في انتظار أن تكشف الممارسة البرلمانية المقبلة مدى قدرة النواب الجدد على ترجمة هذا التنوع السياسي إلى حضور فعلي في الدفاع عن قضايا الجهة وانتظارات سكانها.
وتحتاج الحصيلة العددية الإجمالية إلى اعتماد اللائحة الرسمية النهائية للنتائج قبل تقديمها كحصيلة نهائية، خصوصاً في ظل استمرار المساطر القانونية المتعلقة بالاقتراع والطعون.
العزوف.. الرقم الذي لا يمكن تجاهله
إذا كانت صناديق الاقتراع قد أعادت تشكيل الخريطة الحزبية، فإنها في الوقت نفسه وجهت رسالة قوية بشأن المشاركة. فالمعدل الجهوي بلغ 34.44 في المائة، مقابل 38.02 في المائة وطنياً، بينما هبط في طنجة-أصيلة إلى 25.51 في المائة.
وهنا تكمن إحدى أهم خلاصات انتخابات 2026: الأحزاب تمكنت من الفوز بالمقاعد، لكن ذلك تم في سياق اتسم بعزوف انتخابي واسع. ولا يعني انخفاض المشاركة وحده أن النتائج تفتقد إلى الشرعية القانونية، لكنها تطرح سؤالاً سياسياً ومجتمعياً حول العلاقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة، وحول أسباب ابتعاد فئات واسعة، خصوصاً الشباب، عن العملية الانتخابية.
والمفارقة أن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة توجد في قلب تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى، وتحتضن مشاريع استراتيجية مرتبطة بالميناء والصناعة والسياحة والتهيئة الحضرية، ما يجعل أداء ممثليها داخل البرلمان موضع متابعة أكبر.
من صندوق الاقتراع إلى اختبار البرلمان
انتهى يوم التصويت، لكن الاختبار الحقيقي للنواب الجدد يبدأ الآن. فالسكان لا ينتظرون فقط أسماء جديدة داخل مجلس النواب، وإنما ينتظرون حضوراً أقوى في ملفات التشغيل، والنقل، والصحة، والتعليم، والسكن، والاستثمار، والبنيات التحتية، والتنمية القروية، فضلا عن الملفات المرتبطة بمكانة طنجة والجهة في الاستعدادات الوطنية لاستحقاقات 2030. كما أن عودة العدالة والتنمية بقوة، واستمرار حضور الأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة، وتقدم الحركة الشعبية واليسار في بعض الدوائر، كلها معطيات تجعل برلمان 2026 مختلفا عن برلمان 2021.
أما على المستوى الوطني، فقد تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54، وفق إعلان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت.
وهكذا، لا تختزل انتخابات 2026 في سؤال من فاز ومن خسر، بل تفتح نقاشا أوسع حول قدرة الأحزاب على استعادة ثقة الناخبين، وحول ما إذا كان النواب الجدد سيتمكنون من تحويل المقاعد البرلمانية إلى تمثيلية فعلية لمصالح المواطنين.
فالنتائج أغلقت صناديق الاقتراع، لكنها فتحت في المقابل أسئلة كثيرة أمام برلمان جديد، وجهة تنتظر من ممثليها أكثر من مجرد الحضور تحت قبة البرلمان.
إعداد:هيئة التحرير