بعد توقيفه بطنجة.. كشف وثائق تداول صفقات عمدة طنجة الموقوف مع الجيش الإسباني

لم تكن لحظة توقيف عمدة مدينة طنجة، منير ليموري، فور عودته إلى التراب الوطني ووضعه تحت تدابير الحراسة النظرية، مجرد محطة إجرائية في ملف يتصل بشبهات الفساد والخرق الانتخابي أو ما يعرف إعلاميا بـ “الحقيبة الانتخابية” والفرار عبر رحلة بحرية من سبتة، بل كانت الحجر الذي حرك مياها آسنة في واحدة من أكثر الملفات المعقدة الممتدة بين ضفتي مضيق جبل طارق، حيث تداخل نفوذ كرسي العمودية بصفقات التجهيز العسكري العابرة للحدود، وشكل نموذجا صارخا لتقاطع المال بالسلطة. ففي الوقت الذي كانت فيه الأجهزة القضائية والأمنية بطنجة تتبع خيوط شبهات التلاعب في الانتخابات، كشف تحقيق استقصائي أعده الصحفي “خورخي ميستري” ونشرته الصحيفة الإسبانية “THE OBJECTIVE” عن مستندات ووثائق رسمية تتضمن تقارير تجارية ومحاضر بيع حصص، واضعة الورقة الأخيرة عن امتدادات الشبكة التجارية للمسؤول الموقوف داخل العمق المؤسساتي والعسكري للجارة الشمالية.

وتكشف الوثائق والمستندات الرسمية والمحاضر التي نشرتها واطلعت عليها الصحيفة الإسبانية المذكورة أن التداخل لم يبدأ مع اعتلاء ليموري عمودية عاصمة البوغاز في سبتمبر 2021، بل يعود وضع حجر الأساس لشبكته الممتدة إلى سنة 2010 تاريخ تأسيسه لمصنع الأحذية “أبانتيك” بمدينة طنجة. وتؤكد البيانات والمستندات المشارة إليها في تقرير الصحيفة ذاتها أن التحول المفصلي امتد إلى الأراضي الإسبانية في فبراير 2011 حين أقدم المسؤول الجماعي المعني، الحاصل على إقامة رسمية بمملكة إسبانيا، على تأسيس شركة تحت اسم “Abarca Internationale 2011 SL” في منطقة نافارا، محددة غرضها التجاري صراحة في قص وخياطة والتصنيع الكامل للأحذية وتسويقها، لشغل منصب المدير التنفيذي والمالك الوحيد لها، بهدف إضفاء صبغة إسبانية على منتجات مصنعه الواقع بقلب طنجة، قبل أن يوقع في يونيو 2011 عقد بيع حصص من هذه الشركة لصالح الفاعل الصناعي الإسباني “Calzados Robusta SL”، وفق وثيقة البيع والمحاضر الموثقة التي أوردتها ونشرتها الصحيفة الإسبانية والتي تحمل توقيع المسؤول الجماعي الموقوف.

وتتجسد أبعاد هذا الوضع، بحسب المعطيات والعقود المفصلة الصادرة عن صحيفة “THE OBJECTIVE”، في الصفقة المليارية التي حسمها التحالف التجاري المكون من شركة “روبوستا” وشركة “فال” لصالحه في عام 2025 بقيمة إجمالية بلغت 17.1 مليون يورو لتوريد أحذية الميدان للجيش الإسباني، وهي الصفقة الأكبر في التاريخ الحديث لتوريد الأحذية العسكرية بإسبانيا، والتي أحدثت تحولا راديكاليا في سوق التجهيزات بعد إزاحة شركة “إيتوري” الإسبانية الموردة التاريخية لأحذية “كاميل”. وتوضح البيانات المالية والمستندات ذاتها أن تصنيع هذه الطلبيات الضخمة جرى إسناده كليا لمصنع “أبانتيك” بطنجة المملوك بأغلبية الأسهم للمسؤول الموقوف، مع الإشارة إلى أن الصفقة جرى تصنيفها في البداية كعرض منخفض بشكل غير عادي أو عرض مالي تجاري مخاطر، قبل أن تقبل وزارة الدفاع الإسبانية تبريرات الأسعار وتبرم العقد الإطاري، مع تسجيل طلبات تنفيذية جرى ضخ مبالغها عبر القنوات المصرفية بلغت ما لا يقل عن 5.76 مليون يورو خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، من بينها عقد أول في فبراير بقيمة 3.8 مليون يورو وعقد ثانٍ في 31 يوليو بقيمة 3.2 مليون يورو.

وتضيف التقارير والوثائق التي تضمنها تحقيق الصحيفة الإسبانية أن ملكية السياسي الموقوف تمتد لتشمل كامل أسهم (100%) شركة صناعية ثانية بطنجة تدعى “أرغومو”، والمخصصة لتصنيع أحذية السلامة والأحذية المهنية والعسكرية، حيث أظهرت وثائق المناقصات المرفقة بالتقرير الإسباني اعتمادها كشركة مساعدة في طلبات عروض لأجهزة أمنية ونظامية أوروبية، ومن بينها مناقصة تابعة لسلاح “الكارابينييري” الإيطالي دخلتها شركة “إيتوري” الإسبانية معتمدة على القدرة الإنتاجية لشركة “أرغومو” المملوكة لليموري. وتكشف هذه التفاصيل الدقيقة الصادرة عن المصدر الإسباني عن هندسة معقدة تربط بموجبها المصالح الخاصة لسياسي ومسؤول ترابي مغربي بعقود مالية ضخمة مع الحكومة الإسبانية وأجهزتها الدفاعية، ظلت قائمة وممتدة طيلة مساره السياسي وإلى غاية توقيفه.

هذا ويتجاوز وضع السياسي المعني تحت تدابير الحراسة النظرية، في إطار بحث قضائي تظل فيه قرينة البراءة هي الأصل وقاعدة إثبات الإدانة أو النفي بيد القضاء وحده، وبالموازاة مع المعطيات المنشورة في الصحافة الدولية بناء على المستندات والوثائق التي تفردت بعرضها الصحيفة المذكورة، يتجاوز حدود المتابعة الانتخابية العابرة ليضع الممارسة السياسية والتدبير الترابي أمام اختبار حقيقي لمبادئ الحكامة والنزاهة، حيث تنص أحكام المادة 65 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية على المنع المطلق لأي عضو بمجلس الجماعة من ربط مصالح خاصة أو منافع تجارية تتداخل مع موقعه الإداري، مما يطرح تساؤلات حول مدى انسجام هذا الجمع بين تدبير شؤون المدينة وإدارة منافذ استثمارية تعقد صفقات عابرة للحدود وتستفيد من الرخص والتسهيلات مع روح المادة المذكورة ومبادئ تكافؤ الفرص في مناخ الأعمال المحلي. كما أن اعتماد مؤسسات عسكرية وأمنية أجنبية على سلاسل توريد تقع تحت نفوذ رئيس جماعة ترابية يطرح محاذير وإشكاليات حول حدود النفوذ وتضارب المصالح، فضلا عما تثيره هذه التدفقات المالية الضخمة المتأتية معظمها بالعملة الصعبة من تساؤلات حول ما إذا كانت أبحاث النيابة العامة والمؤسسات الرقابية ستتوسع لتقصي امتدادات هذه التدفقات المالية العابرة للحدود، وبيان مدى ارتباطها أو تقاطعها مع المتابعات الجارية في ملف الشبهات الانتخابية.

 

بقلم | هيئة التحرير

عن موقع المستقل

تعليقات (0)
أضف تعليق