القيادي البامي عبداللطيف الغلبزوري “سياسي محنك يعرف متى يصمت ومتى يتكلم”

متابعة

هناك حكمة أوردها تشرشل في سيرته الذاتية تفيد أن “السياسي الجيد يعرف متى يصمت ومتى يتكلم”، وعبد اللطيف الغلبزوري، عرف طيلة مساره السياسي متى يكون جريئا يرفض المساومات والتفريط في المناضلين الحقيقيين، ويعرف أيضا متى يكون رجل توازن يضبط إيقاع الحزب دون اصطدامات كبرى، ويعرف، وهذا هو الأهم، أن السياسة كما الفقه تقاس بالمقاصد لا بالعواطف.

ولد عبد اللطيف الغلبزوري في تاماسينت بالحسيمة، وهي المنطقة التي تمنعت طويلا على المسؤولين، وتربى مثل الكثير من مجايليه في بيئة يسارية مناهضة للظلم والفقر وغياب العدالة الاجتماعية، وظل هذا الهاجس يرافقه حتى وهو يجد نفسه مطرودا من الثانوية والتهمة: بضعة إضرابات تلاميذية بهاجس يساري.

ظل هذا الهاجس يرافقه، بعدما أكمل دراسته الثانوية في طنجة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، متجها نحو العاصمة العلمية حيث حصل هناك على الإجازة في القانون العام.

في جامعة ظهر المهراز التي كانت في فترة من الفترات مثل “الأكورا” تتقارع فيه الأفكار والكتب، مزج بين الفعل الطلابي والتعرف على ثقافة فاس، ولا شك أن مروره بتلك المدينة، ترك بصمة في شخصيته، وهي البصمة التي جعلته، وهو يلج ميدان السياسة الضاج بالتناقضات والمصالح، يربي نوعا من ملكة الحس النقدي دائما تحصنه ضد لوبيات المصالح وديماغوجيات الراغبين في الصعود السريع.

السياسة كما يعرفها العروي هي ميدان ممارسة المصالح، لكن التعريف الذي أسبغه عبد اللطيف على السياسة ينطلق من أن الأخلاق جزء من الممارسة دون أن تحول أخلاقه على براغميته.

لذلك، فإن الغلبزوري الواقعي إلى أقصى الحدود، في حاجة مرات إلى تطعيم خطابه بقليل من الشراسة، لأن الآخرين أضافوا إلى الصراع على السياسة صراعا آخر هو صراع الأشخاص.

بعد المرحلة الجامعية التي تفوق فيها، رجع إلى مدينة نشأته طنجة ، المدينة الكوسمبوليتية، التي كي تجد مكانا هناك، ينبغي أن تكون إما صاحب جاه عظيم أو مال عظيم، وكل ما كان عند عبد اللطيف، وقتذاك، هو معرفة عظيمة وبحثا دائما عن إثبات الذات.

وإذا كان شكري قد وصل إلى طنجة من بني شيكر حافي القدمين، فإن “الشريف” وصل إلى عاصمة البوغاز حافيا من دراسته الجامعية إلا من رغبة في اكتشاف آفاق جديدة ستفتح أولا مع أصدقائه في اليسار الحالم ثم في حركة كل الديمقراطيين التي كان أبرز وجوهها.

أثناء مخاص التأسيس، كان عبد اللطيف مدركا أن الأحلام الطوباوية وحدها لا تكفي لخدمة الناس وأن أوهام الأيديولوجيا يجب أن تمتحن في اختبار الواقع مع البسطاء في الحواري الفقيرة والأزقة، وكان مدركا أيضا، ساعتئذ، أن النهضة الاقتصادية لن تتم بدون وعي ثقافي، مستندا في ذلك إلى إرثه اليساري القديم: إن التغيير لن يحدث ما لم يكن مقرونا بالوعي الطبقي.

في 2009، وقد كان الإسلاميون يزحفون في المدن والقرى مستثمرين يأس الناس من السياسات العمومية، انتمى عبد اللطيف الغلبزوري إلى حزب الأصالة والمعاصرة مع ثلة من الرفاق القدامى، وهكذا تحول المشروع في طنجة، عكس ما يقوله الكثير من الغلاة المدعين، إلى حاضنة للمشاريع الثقافية كمهرجان ثويزا الذي استضاف أهم المنارات الفكرية في شمال إفريقيا والشرط الأوسط.

خلال هذا المسار، جرب عبد اللطيف وصفة السياسة كبديل عملي للكلام، ورغم كل الضربات والمؤامرات ظل صامدا، ورغم الخيبة من احتلال المرتبة الثانية في انتخابات 2016، فإنه واصل في الإيمان بمشروع الأصالة والمعاصرة، كما آمن به حين أراد البعض إزاحته رغم شعبيته الواسعة داخل التنظيم.

يبدو اليوم الغلبزوري نموذجا متفردا في ممارسة السياسة، أمينا عاما جهويا مؤمنا بالأخلاق في السياسة، وبالشعر في التفاوض، وبالثقافة في التغيير.. إنها وصفة تجعل منه اليوم وسط سعار الانتخابات مرشحا فوق العادة كي يكون ضمن قيادات جهة طنجة.

مقالات ذات صلة