فن وثقافة…مفتاح فلسفة محمد إقبال التجديدية

الدكتور أحمد بلحاج آية وارهام

إن المفتاح الحقيقي لفلسفة إقبال التجديدية يتسم بطبيعة مزدوجة تنطق بالعبقرية الفذة لهذا العَلَمِ الكبير، تلك العبقرية التي وجدت من رحابة النظرة الإسلامية ومن حرارتها أطيب مناخ للإنتاج والازدهار. فإقبال كان في جذوة عطائه، وقمة نضجه مُقبلا على القرآن الكريم يستلهمه بما لم يتهيأ للكثيرين قبله، وما لم يخطر لهم على بال. وما ذلك كذلك إلا لتلاقي موسوعية النظرة الإسلامية مع موسوعية الاهتمام والتساؤل إشباعا للفضول أو قناعة بمجرد الإدراك والعلم، وإنما كان اهتماما للكشف عن الأبعاد الحقيقية للوجود في طلاقه، وللإنسان في خصوصه وتحدده، لكي يرسم الخطة المثلى للعلاقة الصحيحة بين المطلق والمقيد أو بين الله والإنسان في إطار يواكب حياة العصر من حيث المرونة والتكيُّف، ويؤصل في الوقت ذاته جذور الإنسان المسلم في تربة الإسلام، وفي العمق الحضاري للعصر.

من هنا كانت الرحابة والحرارة، فالرحابة نابعة من إدراك إقبال لانفتاح الإمكانات إلى ما لا نهاية في المنظور الإسلامي، ولذلك أعلن بكل ثقة أن النظرة الإسلامية واتجاهها الفكري تُباين مباينة حادة في مَثَلِهَا الأعلى النظرة اليونانية التي هي ـ كما يُزْعَمُ ـ أساس الحضارة الغربية. فالمثل الأعلى لدى اليونان تحكمه فكرةُ التَّنَاسُبِ و انسجام الأجزاء، مما شدهم إلى الوجود المتناهي في الخارج بحدوده الواضحة المعينة…ولكن المثل الأعلى في الفكر الإسلامي يُحَصِّلُ السعادة بالوصول إلى اللامتناهي. وإذن؛ فالنظرتان متقابلتان : إحداهما تر كز على المتناهي، والأخرى تنشد اللامتناهي. ولم يكن إعلان إقبال انفساحَ النظرة الإسلامية ورحابة أفقها إلى غير نهاية خاليا من دعم قرآني يشهد بانطلاق إسلامي أصيل لفكر إقبال من ناحية، كما يشهد بعمق النظرة الإسلامية وصدقها من ناحية أخرى، والواقع أن فكرة إقبال القاضية بتقابل النظرتين الإسلامية واليونانية لم تكن إلا ثمرة التأمل في قوله تعالى في سورة “النجم” ( وَ أَنَّ إِلَى رَبِّكَ اُلْمُنْتَهَى). فكما يقول بحق: إن هذه الآية تشير إلى وجه قاطع إلى أنه المنتهى الأخير، يجب ألا يُبحث عنه في حركة الأفلاك، و إنما يبحث عنه في وجود كوني روحاني مقدس لا نهاية له ، ورحلة العقل إلى هذا المنتهى الأخير رحلة طويلة شاقة. ولم يرد إقبال بهذه الرحلة العقلية بناء ميتافيزيقا نظرية في مذهب مجرد يظل نمطا منفصلا عن الحياة، بل أرادها رحلة عقلية وجدانية سلوكية تمنح الإنسان حياته الحقيقية التي تؤهله للخلافة والسيادة والتميز. وهذا هو الوجه البناء في فلسفة إقبال الدينية، تلك الفلسفة التي لم تقتصر على الدفاع عن نفسها في وجه مخالفيها، بل أرست الركائز الإيجابية لصوغ الحياة الإسلامية شاملةَ الأطراف، مُحَدَّدَةَ المعالم، ثابتة الخطا، واضحة الهدف، دون ادعاء أو تطرف ودون غرور وتزيف، ودون صَلاَفَةٍ أو تَحَيُّفٍ، ودون انخذال أو تَخَوُّفٍ. إن فكر إقبال هو فكر دينامي نابض، يدعو إلى تأمل الحياة، وإلى صنعها، يصور الكون متحركا متغيرا متطورا Dynamique ,Développement,Changement، تسري في الحياة ممثلة للعلاقة الدائمة بين الزمن الإلهي والزمان المتجدد مما أتاح الفرصة لإحدى النظريات في الفكر الإسلامي أن تقول بالحق المستمر، وهي فكرة تعني في نهايتها أن الكون ينمو ويزداد. إن هذه الحركة الدائبة لتيار الحياة تسري في جوانبها و آفاقها المختلفة لتعود في النهاية اتجاها كليا وجمعيا منجذبًا نحو الله جل جلاله مصدر الصنع والإبداع، ومرجعِ السعادة والإمتاع. وهذا التصور النابضُ يُلهم العلمَ والفن والخلق في وقت واحد . أما العلم فيستلهم قانون التطور، وأما الفن فيستلهم بالشوق ـ وهو الحركة الشعورية ـ رسم لوحاته الفنية بالألوان والومضات والتخييل والكلمات ومعارض الجمال ، وأما الخلق فيتمثل آفاق المكارم التي تجد نهايتها في ذي الأسماء الحسنى. وفي هذا التصور نرى تعاضد الكفايات الإنسانية العقلية والشعورية والسلوكية، وهو ما يسم نظرة إقبال في كثير من مناحيها و أهدافها، ويُعطي لها بعدا عالميا. فهي مستمدةٌ أساسا من القرآن الكريم الذي هو خطاب الله تعالى إلى خلقه كافة، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمكانة الإنسانية وقد ألح إقبال كثيرا على الفكرة المتغلغلة في أعماق الإسلام وهي فكرة “وحدة الأصل الإنساني” المستمدة من آيات قرآنية كثيرة، مثل (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة)، مثل (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة). ففكرة “الوحدة” هاته قامت بدور رئيسي في تشكيل العطاء الفكري والفني لإقبال حتى ليحق القول بأنه فيلسوف وشاعر “الوحدة”. فوحدة الأصل الإنساني ـ التي تشكل قاعدة المساواة بين الناس في الإسلام ووحدة الكون بمعنى ترابط أجزائه، وتشابك جوانبه، وتكامل ظواهره، وخضوع موضوعاته للفكر الإنساني ـ تعتبر بحق نوعا مثمرا من حيث إفساحها المجال للعقل البشري لكي يقوم بـأداء وظيفته على النحو الأكمل، وهذا فيما نراه هو ما تصدى إليه الإسلام حينما دعا إلى التكامل في ملكوت السماوات والأرض. 3 ـ فلسفة حية مفتوحة تُعد فلسفة محمد إقبال من تلك الفلسفات الحية المفتوحة، فهي ليست من طراز الفلسفات الساكنة المغلقة على نفسها، لأنها نابعة من ذات إقبال المسلم أولا، ومتجهة إلى المسلمين خاصة، وإلى الناس عامة ثانيا. أخذها صاحبها من صميم عقيدته،فكانت فلسفة ردِّ فعل الأحوال التي لاحظها و أدركها في الأمم الإسلامية وغير الإسلامية. فقد أدرك إقبال بثاقب نظره أن الإسلام قد أصبح بين معتنقيه جسدا بلا روح، كأنه مجموعة من الرموز غير المفهومة، ومن هنا رأى لزاما عليه أن يُنبه المسلمين إلى الأخطاء التي تنتشر بينهم، ثم يدعو بعد ذلك إلى التجديد مُحَدِّدًا مواضع الداء وطرق العلاج.

فهي إذن فلسفة ردِّ فعل للأحوال التي وجد من واجبه نقدها وتغييرها، وهذا يدل على أنه لم يكن فيلسوفا فحسبُ، بل كان أيضا مصلحا فكريا ، ومصلحا اجتماعيا. ودعوته إلى الإصلاح الفكري والاجتماعي تعد من الدعوات التي لا يُمكن أن يتغافل عنها المسلمون بأي حال من الأحوال. فالذين يبحثون اليوم في قضايا التجديد، وقضايا الأصالة والمعاصرة، وقضية الحوار بين الثقافات سيجدون في فلسفة إقبال محاولة فريدة من نوعها، محاولة لم يُسبق إليها، سيجدون لديه الكثير من الأفكار الخصبة والتصورات التي تعد ثرية ثراء لا حد له حول القضايا التي يبحثون عنها وفيها، سيجدون في محاولته التجديدية رجوعا إلى تراثنا الإسلامي وما فيه من قيم خلاقة مبدعة. إذ لا يصح عنده بأي حال من الأحوال الابتعاد عن تراثنا في الماضي، ومن لا ماضي له فلا حاضر له ولا مستقبل كما هو معروف.

Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ أكثر