عيد الأضحى وآفة “الشناقة”.. حين يتحول “الحولي” إلى تجارة في جيوب الفقراء

 

ونحن نودّع عيد الأضحى، ستظل صورة أسواق “الحولي” بمدينة طنجة عالقة في الأذهان، ليس فقط بسبب اكتظاظ الفضاءات بالمتسوقين، بل أيضًا بسبب حجم المعاناة التي باتت ترافق هذه الشعيرة الدينية عامًا بعد آخر. هناك، وسط الغبار والضجيج وصرخات السماسرة، وقف المواطن البسيط مذهولًا أمام أثمنة لم تعد ترحم أحدًا، بينما واصل “الشناقة” لعبتهم المعتادة: رفع الأسعار، واحتكار السوق، وتحويل فرحة العيد إلى كابوس اجتماعي ثقيل.

لم يعد الأمر يتعلق بارتفاع طبيعي في الأسعار بسبب الجفاف أو ارتفاع تكلفة الأعلاف فحسب، بل أصبح الحديث يتكرر بشكل واسع عن تدخل الوسطاء والمضاربين الذين يلهبون الأسواق ويصنعون “أثمانًا وهمية” بعيدة عن القدرة الشرائية للمواطن المغربي. وقد تحدثت تقارير إعلامية عديدة خلال الأيام الأخيرة عن تغوّل “الشناقة” داخل أسواق الأضاحي، وعن تحميلهم مسؤولية جزء كبير من هذا الغلاء الذي أثقل كاهل الأسر الفقيرة والمتوسطة.

المؤلم في المشهد أن عيد الأضحى، بالنسبة لآلاف الأسر المغربية، ليس مجرد مناسبة عابرة، بل فرصة نادرة لتذوق اللحم، خصوصًا لدى الفئات الهشة و”الدراويش” الذين قد لا يرون اللحم على موائدهم إلا في هذه الأيام المعدودة من السنة. غير أن حتى هذه الفرصة البسيطة أصبحت مهددة، بعدما صار ثمن “الحولي” يعادل راتب شهر كامل، وربما أكثر، في بلد ما تزال فيه فئات واسعة تكافح لتأمين أساسيات العيش الكريم.

وفي الوقت الذي يتنقل فيه المواطن بين الأسواق بحثًا عن ثمن يناسب جيبه، يتحرك “الشناقة” بخفة وسط الفوضى؛ يشترون ويبيعون ويحتكرون ويرفعون الأسعار دون رحمة. هؤلاء لا ينشطون فقط في تجارة “الحولي”، بل أصبحوا وجهًا مألوفًا في مختلف الأزمات والمناسبات: في العقار، والخضر، والأسماك، وتذاكر المباريات، وحتى في مآسي الناس. إنهم يتاجرون في كل شيء، ويحوّلون حاجات المواطنين إلى فرص للاغتناء السريع.

الأخطر أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي معزول، بل تحولت إلى ثقافة مضاربة تنخر الأسواق وتضرب الثقة في أي حديث عن المنافسة الشريفة أو حماية القدرة الشرائية. حتى الحكومة اضطرت مؤخرًا إلى التشديد على مراقبة الأسواق والتلويح بعقوبات ضد المضاربين، بعد تصاعد شكاوى المواطنين من الارتفاع غير المبرر للأسعار.

في النهاية، لا يمكن الحديث عن عيد حقيقي في ظل هذا الجشع. فالعيد الذي يفترض أن يكون مناسبة للتكافل والرحمة، تحوّل عند البعض إلى موسم للنهب المنظم. وبين “الكسّاب” الحقيقي الذي يتعب طوال السنة، و”الشناق” الذي يحصد الأرباح في ساعات، يبقى المواطن البسيط هو الضحية الدائمة… يطارد خروفًا بثمن معقول، ويطارد معه شيئًا من الكرامة المفقودة في أسواق لا ترحم.

طارق بخات